استراتيجية ترامب لمكافحة الإرهاب: مواجهة "الأيديولوجيا أولاً"

21 أكتوبر 2018
الصورة
الأولوية لحماية الأمن القومي الأميركي (مارك ويلسون/Getty)
+ الخط -
وسط حالة الاهتمام الأميركي والعالمي غير المسبوقة بتعيين القاضي بريت كافانو في المحكمة الدستورية العليا، خرجت للنور في الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، وبدون ضجيج إعلامي، أول استراتيجية متكاملة لمكافحة الإرهاب بعد تلك التي صدرت في عهد الرئيس السابق باراك أوباما عام 2011.
توفّر الاستراتيجية القومية لمكافحة الإرهاب، وهي الأولى التي تصدر في عهد دونالد ترامب، توجهاً جدياً لحماية المصالح والأمن القومي الأميركي من كافة التهديدات الإرهابية. وفي السياق، ذكر مستشار الأمن القومي جون بولتون أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة لمكافحة الإرهاب، والتي جاءت في 34 صفحة، "تختلف عن الاستراتيجية السابقة لأوباما من ناحية أساسية، إذ إنها تركز على مكافحة أيديولوجيا الإرهاب". ولفت بولتون إلى أن ترامب يؤمن بأنه "إذا لم نعترف بأننا نخوض صراعاً أيديولوجياً بالأساس، فلن نستطيع أن نتعامل مع التهديدات الإرهابية". وذهب بولتون لشرح أهم الاختلافات عن الاستراتيجيات السابقة، والتي جاء على رأسها الإعلان دون مواربة عن أن الولايات المتحدة تحارب "أيديولوجية إسلامية راديكالية متطرفة". وتجنبت استراتيجية إدارة أوباما في توصيفها للتهديدات الإرهابية التي تواجهها الولايات المتحدة تعبير "الإسلام الراديكالي"، بينما عمدت استراتيجية ترامب إلى استخدام هذا التعبير في توصيف التهديدات الإرهابية. وشدد مستشار الأمن القومي الأميركي على أن الإدارة الحالية لا تخجل من إدراك الخطر الذي تشكله "الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة" و"المتطرفون الإسلاميون".



وأكد بولتون أن الإدارة الحالية في صراع أيديولوجي مع التنظيمات الإرهابية، وبدون إدراك ذلك فإنه لن يمكنها مجابهة التهديد الإرهابي بشكل ملائم. وأضاف أن الاستراتيجية الجديدة تعد أول تحديث للإطار المفاهيمي لمكافحة التنظيمات الإرهابية منذ عام 2011، مؤكداً أن التنظيمات الإرهابية "الإسلامية الراديكالية"، والحركات "الإسلامية الراديكالية"، لا تزال تمثل تهديداً رئيساً للولايات المتحدة. وأشار إلى أنه يتعين على الأخيرة ضرورة مجابهة تلك الأيديولوجية المتطرفة بقوة وبكل الطرق الممكنة. وتربط الاستراتيجية بقاء الإرهاب حياً ونشطاً بدور إيراني يتعلق بالأساس بتمويل الإرهاب العالمي، والذي تراه الاستراتيجية متصاعداً عقب توقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 وبدء رفع العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على طهران.

  • إرهاب محلي غير تقليدي 


لم تقتصر الاستراتيجية على الإرهاب بمعناه التقليدي كمصدر تهديد للولايات المتحدة بشقيه الخارجي والداخلي، بل أشارت إلى أن هناك تزايداً في الإرهاب المحلي المرتبط بقضايا تبدو هامشية على النطاق العالمي، مثل إرهاب المتطرفين العنصريين، والتطرف في حماية حقوق الحيوان، والتطرف البيئي، وتطرف المواطنين في الدفاع عن حقوقهم، وتطرف المليشيات. ونبهت إلى ارتفاع نسب هذه الأنواع من الإرهاب خلال السنوات القليلة الماضية.

  • الإرهاب لم يهزم

وتقرّ الاستراتيجية بأنه على الرغم من توجيه ضربات موجعة للجماعات الإرهابية حول العالم خلال السنوات القليلة الماضية، خصوصاً ما جرى ضد تنظيم "داعش"، إلا أن الإرهاب لم يُهزم بعد. وأشارت إلى أن الولايات المتحدة لم تقض نهائيّاً على التهديدات، مع أنها نجحت في منع تعرضها لهجوم إرهابي كبير مثل الذي وقع في 11 سبتمبر/ أيلول 2001. وبحسب الاستراتيجية لا تزال التنظيمات، مثل القاعدة وداعش، تشكل التهديد الرئيسي العابر للحدود وصولاً للولايات المتحدة، على الرغم من الجهود المدنية والعسكرية المستمرة التي تبذلها في هذا المجال.

وتحذر الاستراتيجية من خطر "داعش" رغم نجاح الضربات العسكرية الأميركية في القضاء على التنظيم بصورة كبيرة داخل سورية والعراق ومنعه من السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي. ووفقاً للاستراتيجية، فإن تنظيم داعش لا يزال يمتلك وسائل اتصال وإعلام إلكترونية متطورة تسمح له بتجنيد أتباع جدد، وتمكنه من شن العشرات من الهجمات داخل البلدان المستهدفة، بما في ذلك الولايات المتحدة، رغم النكسات التي يتعرض لها. كما أوضحت أن زيادة الهجمات التي يشنها الأشخاص الذين تمت تعبئتهم لتبني العنف تؤكد على قدرة التنظيم على إلهام أتباعه بتنفيذ الهجمات الإرهابية في كل أنحاء العالم.
وفي السياق، كان بولتون قد استشهد على خوض بلاده لحرب إيديولوجية على "الإسلام الراديكالي" بمقولة لملك الأردن يصف فيها الإرهاب "كحرب أهلية داخل الإسلام".

وقد لخصت الاستراتيجية محاور مواجهة التنظيمات الإرهابية في عناصر ستة على النحو التالي:

1- ملاحقة الإرهابيين بدولهم الأصلية، وذلك من خلال استخدام القدرات العسكرية وغير العسكرية الأميركية ضد التنظيمات الإرهابية ومخططي العمليات الإرهابية.
2- منع الإرهابيين من التواصل مع مصادر تمويلهم ودعمهم من خلال توفير المعلومات عن حركة الإرهابيين وهوياتهم ومشاركة هذه المعلومات مع الجهات الحكومية والجهات الخاصة التي ترتبط بالتعاملات المالية. كذلك مشاركة هذه المعلومات مع سلطات السفر والمطارات والمنافذ الحدودية في الدول المعنية لمنع الإرهابيين من الفرار من مناطق الصراع، والتمكن من تنفيذ الإجراءات القانونية ضدهم في دولهم الأصلية. يضاف إلى ذلك تبادل المعلومات والبيانات المالية للإرهابيين، وتفكيك شبكات تمويلهم، وتنفيذ التدابير الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب في جميع أنحاء العالم بفاعلية.
3- تحديث أدوات القوة العسكرية وغير العسكرية الأميركية أولاً بأول لمكافحة الإرهاب. وتركز الاستراتيجية على العمليات العسكرية التقليدية لمواجهة التهديدات الإرهابية، مع العمل على زيادة التركيز على الأدوات غير العسكرية.
4- حماية الداخل الأميركي من خلال سياسة تتضمن أمن الحدود بشكل قوي، وحماية البنية التحتية الحيوية، والترويج لثقافة الاستعداد لمواجهة التهديدات والتحديات الطارئة.
5- مكافحة تجنيد الإرهابيين عبر الإنترنت من خلال اتخاذ إجراءات للحد من قدرة التنظيمات على التجنيد إلكترونياً ومنعها من التواصل مع أتباعها.
6- تعزيز قدرات شركاء الولايات المتحدة الدوليين لمكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من رفع الإدارة الأميركية شعار "أميركا أولاً"، وانتقاد حلفاء الولايات المتحدة التقليديين والمؤسسات والتحالفات التي تأسست منذ سبعة عقود وتحافظ على الاستقرار والأمن الدوليين، إلا أن الاستراتيجية تشير إلى أن الشعار لا يعني "أميركا منفردة".

  • عناصر مفقودة 

وعلى الرغم من احتواء الاستراتيجية على الكثير من عوامل القوة، يرى الخبير في معهد بروكنجز، إيريك روزاند، أنها تجاهلت عدداً من الدروس كان يمكن من خلالها أن تصبح أكثر اتساقاً مع الأخطار التي تتوقعها الولايات المتحدة.
أولاً، بالنسبة إليه، فإن الاستراتيجية الفعالة هي تلك التي تتجنب النتائج غير المقصودة. وقد أثبتت طرق مواجهة الإرهاب في دول مختلفة، كمصر ونيجيريا والفيليبين واليمن، أن استخدام تكتيكات مكافحة الإرهاب الصارمة لا يعني القضاء على الإرهاب، بل قد يمنحه خيط حياة متجدداً مع التجاوز الأمني الحكومي تجاه حقوق الإنسان باستخدام التعذيب وغيره من الطرق غير الإنسانية.

ثانياً، أشار روزاند إلى تجاهل الاستراتيجية لبعض الأسباب الموضوعية التي تستغلها الجماعات الإرهابية وتسهّل من عملها في تجنيد أعضاء جدد وإقناعهم بإطار أيديولوجي متطرف. فتحديات الحكومة وتهميش الكثير من الفئات في العديد من المجتمعات وقضية عدم المساواة على أسس عرقية وإثنية ودينية تتيح منافذ تستغلها الجماعات الإرهابية لصالحها.
ثالثاً، تطرق الخبير في معهد بروكنجز إلى أن تسييس عملية مكافحة التطرف والراديكالية يرتبط كثيراً بالرغبة في تحقيق أهداف سياسية قصيرة الأجل، وهو ما يمثل خطورة على المدى المتوسط والطويل. وتتحكم الأهواء والانطباعات في تشكيل الأهداف قصيرة الأجل بدلاً من العوامل الموضوعية التي يمكن قياسها.
رابعاً، رأى روزاند أن الطريق الأقصر لإنجاز استراتيجيات مكافحة الإرهاب يرتبط ويعتمد بالأساس على اللاعبين المحليين، مثل المدارس والمحليات والمجتمع المدني في الدول المستهدفة. ولا يمكن للولايات المتحدة ومواردها الواسعة توفير بديل لهذه الكيانات في التعامل مع الظواهر المحلية المشجعة للتطرف، وتصميم استراتيجيات محلية متنوعة ذات خصوصيات مجتمعية فريدة لمكافحة الإرهاب.

المساهمون