استراتيجيات المماطلة لتدمير شعوب المنطقة

31 اغسطس 2019
الصورة
+ الخط -
الناظر إلى مشهد الصراع في الشرق الأوسط، من زاوية التفاعلات الجارية بين الأطراف المنخرطة فيه، ستدهشه طريقة إدارة اللعبة وتوازناتها، واتباع هذه الأطراف استراتيجية واحدة في الإدارة وقواعد اشتباك ثابتة، إلى درجة يبدو معها أن هذه الأطراف تواضعت على التوافق على هذا الأسلوب. 
تقوم الاستراتيجية التي تتبعها الأطراف على قاعدة المماطلة وتمرير الوقت إلى حين تغيّر المعطيات. وعلى هذا الأساس، تنخرط هذه الأطراف بتفاهمات مؤقتة، بعضها صريح وعلني، وبعضها ضمني ومستور. وعلى الرغم من تناقض أهدافها وتضارب مشاريعها الجيوسياسية في المنطقة، إلا أن هذه الأطراف أثبتت قدرة هائلة على التعايش مع بعضها، عبر اتباع هذه الإستراتيجية، والتي من خلالها يجري ترحيل التصادم إلى مرحلة أخرى غير معلومة.
في إطار هذه الإستراتيجية، يراهن كل طرفٍ على قدرته على فرض وقائع تجبر الخصم على الرضوخ لمشيئته، كما أن الأولوية في هذه الإستراتيجية لصالح تثبيت وجود الطرف المعني في معادلة الصراع، من خلال شبكة تفاعلات معقدّة، مع طرفٍ أو أكثر من اللاعبين المنخرطين في الصراع، وعبر اتباع سياسة حرب الوكلاء التي أصبحت السمة البارزة للصراع في المنطقة.
تنطوي تحت هذه الاستراتيجية التفاهمات التي عقدتها تركيا مع الولايات المتحدة الأميركية في اتفاق المنطقة الآمنة، إذ انخرط أطراف اللعبة الثلاثة، تركيا وأميركا والأكراد، في لعبة 
المماطلة وتمرير الوقت علنا، فلم يخف الأميركيون اتباعهم هذا الأسلوب عبر اعترافهم الذي كرّره أكثر من مسؤول عسكري وسياسي، بأنهم استطاعوا تأجيل هجوم تركي، كان وشيكاً، وفهم الأكراد بدورهم اللعبة، ومارسوها بإتقان الإعلان عن انسحابهم الشكلي، ونشر قوّة تابعة لهم في تلك المناطق، وأقنعت تركيا نفسها بصدق نيات أميركا وإجراءاتها. في حين يعرف الجميع أنهم لم يفعلوا سوى تأجيل الصدام إلى وقت آخر، انطلاقاً من رهان كل طرفٍ على قدرته على فرض وقائع تدعم موقفه في الصراع.
في الوقت نفسه، لا تخرج التفاهمات الجارية بين روسيا وتركيا عن إطار لعبة المماطلة، وتعّد روسيا أحد صناع هذه اللعبة الأصلاء، وربما هي صاحبة هذا الاختراع الذي قامت بتطبيقه في سورية باحترافية، سواء عبر ما أسمتها "مناطق خفض التصعيد"، والذي استطاعت من خلاله تحييد اللاعبين الإقليميين وتغيير المعطيات لصالحها، أو من خلال "مبادراتها" السياسية، من أستانة إلى سوتشي، والتي استطاعت عبرها تحريف مرجعية الحل السلمي في سورية لصالح حليفها نظام الأسد.
ما تقوم به روسيا في إدلب اليوم، وما قامت به منذ أكثر من عامين، كان تطبيقاً لاستراتيجية المماطلة، وتغيير المعطيات رويداً رويداً، عبر سياسة القضم البطيء لمناطق المعارضة. وعلى ضوء ذلك، تجري في كل مرّة إعادة صياغة التفاهمات مع تركيا، انطلاقاً من المعطيات الجديدة.
وتبدو لعبة المماطلة واضحة بشكل جلي في الصراع بين إسرائيل وإيران ومليشياتها. وهنا، لا تبدو التفاهمات علنية كما في حالتي روسيا وأميركا مع تركيا، لكنها مناسبة لظروف الطرفين، بحيث يبقى الصراع بينهما مضبوطا بقواعد اشتباك صلبة، تمنع انزلاقهما إلى صراع علني ومكشوف، وهو ما لا يريده الطرفان، نظراً إلى انشغالهما بأولويات أخرى. وليست عبثية سياسة المماطلة التي تتبعها الأطراف، بل هي مقصودة، لما تحقّقه من فوائد مباشرة للأطراف المنخرطة في اللعبة، لأسباب عديدة:
- لأن الصراع المباشر له تكاليف عالية لا ترغب الأطراف المعنية في دفعها، ذلك أنها تحارب 
على ساحات خارجية، وعلى الرغم من ادعاء جميع اللاعبين المنخرطين في الصراع أن سبب انخراطهم الدفاع عن مصالحهم القومية وأمن بلادهم، إلا أن الوقائع تثبت أن انخراط هؤلاء في الصراع يهدف إلى تحقيق فوائد إضافية ومشاريع جيوسياسية، وليست حروبا وجودية. وبالتالي فهم يملكون مساحاتٍ واسعة للمناورة واللعب.
- لأن هذا النمط من الاستراتيجيات يحقق لهم فوائد إستراتيجية بعيدة المدى، فالجميع "ما عدا البلاد التي تكون ساحة للصراع" رابح في ظل هذه اللعبة، وإن اختلف شكل الأرباح، حيث توزّع هذه الأطراف الأرباح بينها، سواء بالتوافق المباشر، أو عبر التنازل والقبول الضمني.
- تظهر سياسة المماطلة الأطراف المنخرطة في اللعبة أنها منتصرة في مواجهة الرأي العام الداخلي، وترفع الضغط عن الساسة الذين يتبنّون السياسات التدخلية، إذ يستطيع هؤلاء تسويق نجاحهم في إدارة اللعبة، عبر سياسة المماطلة على أنه انتصار في ساحات خارجية، يزيد من قوّة دولهم، ويرفع درجة تأثيرها في سياق القوّة الدولية. وميزة هذه السياسات أنها لا تنتج مهزومين واضحين ضمن أطراف اللعبة، فمن يخسر تكتيكياً يستطيع الادعاء أنه يربح إستراتيجياً، وعلى المدى الطويل.
مقابل ذلك، تساهم سياسات المماطلة في تدمير المجتمعات التي تدور هذه الصراعات على أراضيها، إذ تنتج عنها خسائر مادية وبشرية هائلة، تماماً كما هو حاصل في سورية، فقد أدت هذه السياسات إلى تفتيت المجتمع السوري، وتحويله إلى مجال لتجريب الأسلحة والسياسات، وجعلت سورية أرضاً مفتوحة لحروبٍ قد لا تنتهي لعقود مقبلة، ونتيجة سياسات المماطلة سيجري تغيير هوية سورية، وتغيير تركيبتها الديمغرافية إلى الأبد.