استدعاء عشرات المسؤولين العراقيين... فهل يرضى المتظاهرون بغير رؤوس الفساد؟

19 نوفمبر 2019
الصورة
قرارات الاستقدام لتهدئة الشارع (أحمد الربيع/فرانس برس)
+ الخط -
منذ انطلاق التظاهرات الشعبية في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول ببغداد ومدن الوسط والجنوب، التي طالبت بجملة من المطالب، منها محاسبة المسؤولين المتورطين بجرائم فساد، وأخرى متعلقة بالإضرار بالمال العام، أصدر القضاء العراقي عشرات أوامر استقدام بحق مسؤولين ووزراء ونواب سابقين وحاليين، في سبيل محاكمتهم بشأن ملفات فساد خلال فترات توليهم مناصبهم. 

ومع ذلك، فإن العراقيين الذين لم يبرحوا أماكن احتجاجاتهم والساحات المخصصة للتظاهر يشككون بإمكانية محاسبة وسجن المتورطين بملفات الفساد المالي في البلاد، كما أنهم يستغربون عدم صدور الأوامر القضائية بحق قادة ما يُعرف بـ"الصف الأول".

ويُطالب المتظاهرون بمحاسبة الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارات طيلة 15 عاماً، كما تشمل المطالب رؤساء الوزراء وقادة الأحزاب. 

وتبدو المطالب واضحة من خلال ما يُشاهد في ساحة التحرير من لافتات تؤكد عمق المطالب لدى المحتجين، حيث يُعد إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي، وآخرون مثل موفق الربيعي وباقر صولاغ وبهاء الأعرجي وسعدون الدليمي وفؤاد معصوم، وغيرهم، الأكثر استفزازاً للشعب العراقي، وأيضا رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي وهادي العامري وقيس الخزعلي وعمار الحكيم وغيرهم.

وبالرغم من أن القرارات القضائية في العراق اقتربت من المائة أمر استقدام، إلا أنها اكتفت بتوجيهها إلى مسؤولين يراى المتظاهرون أنهم عاديون، بالمقارنة مع "حيتان الفساد" كما هو الدارج في العراق، في حين يرى مراقبون وقضاة عراقيون أن أوامر الاستقدام تشير إلى أن الأدلة عند المحاكم منقوصة، وأن من المفترض أن تكون صياغة البيانات الصادرة عن القضاء متعلقة بأوامر القبض.

وفي السياق، قال النائب عن تحالف "سائرون" في البرلمان العراقي غايب العميري إن "هناك عدم ثقة كبيرة بين المواطن والمتظاهرين العراقيين من جهة، والمسؤولين والسلطات العراقية من جهة أخرى، وإن إعادة هذه الثقة تأتي من خلال حكومة صالحة، وليس إصلاحات في حكومة"، مضيفا أن "الإصلاحات التي أعلنها البرلمان والحكومة لا تتناسب مع الدماء التي سقطت من المتظاهرين". 

وبيّن العميري، لـ"العربي الجديد"، أن "هناك الكثير من المحافظين سيُحاسبون، وكذلك نواب سابقون وبعض من الحاليين، ووزراء، وكان من المفترض ضرب زعماء الأحزاب المعروفة، والذين تسببوا بخراب العراق، من أجل تهدئة الأوضاع الداخلية".

من جهته، أبدى عضو تيار "الحكمة" محمد اللكاش استغرابه من أن "الأوامر لم تذكر أسماء الفاسدين الكبار"، لكنه رأى أن "القضاء ربما يفكر بالإطاحة بالرؤوس الكبيرة حيتان الفساد من خلال الموظفين الصغار والمحافظين السابقين، وهذه الخطوات ما هي إلا البداية لإسقاط الزعماء المتورطين بالإضرار بالمال العام والاختلاس والعمل لصالح دول إقليمية على حساب العراق، ومن ثم محاسبة الأحزاب كاملة على ما جرى في العراق من مآزق خلال السنوات الماضية".

وأشار اللكاش، في اتصالٍ مع "العربي الجديد"، إلى أن "المحاكمات التي من المفترض أن يجريها القضاء لا بد من أن تكون علنية ومباشرة تنقلها شاشات التلفاز، مثل محاكمة صدام حسين، وعدم التهاون والسماح للتأثيرات الحزبية بالدخول على خط إغراء القرار القضائي العراقي".

من جهته، بيَّن عضو الحزب الشيوعي العراقي جهاد جليل أن "الأسماء التي طلب القضاء استدعاءها واستقدامها تعد عادية في العراق، وهم أعضاء حزبيون من الصف الثالث والرابع بحسب هيكليات الأحزاب، ولم تمس القيادات المعروفة في البلاد، حتى إن القضاء أهمل ملفات أمنية خطيرة تورط فيها مسؤولون وسياسيون، مثل ملف "سقوط الموصل" في عهد نوري المالكي"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن "القضايا التي اتهم بها مسؤولون سابقون في العراق هي دون طموح المتظاهرين، وهناك تشكيك كبير بجدوى هذه القرارات، وهي بسيطة لدرجة أنها لم تشغل الرأي العام".

إلى ذلك، رأى القاضي العراقي منير حداد أن "القضاء في العراق جيد، وما يزال بخير، مقارنة بسوء الحال العام في السلطات التشريعية والتنفيذية"، مبيناً أن "القضايا التي بصددها وجّه القضاء أوامر استقدام لمسؤولين تتضمن الحديث عن اختلاس والتلاعب بمبالغ بملايين الدولارات، وبالتالي فإن الاستقدام يعني أن الأدلة ضعيفة لدى القضاء أو غير كافية، لذلك كان من المفترض أن يتم إصدار أوامر قبض وليس استقدام، والتعامل بحزم تجاهها".

وأكد حداد، لـ"العربي الجديد"، أن "القرارات الغيابية التي تصدر عن المحاكم لا تعني أن العقوبة ستسقط مع مرور الوقت، فيمكن للقضاء الحكم الغيابي واحتجاز الأملاك الخاصة بالمتورطين بالتلاعب بأموال العراق"، مبيناً أن "القرارات الأخيرة التي صدرت عن القضاء جاءت في الوقت الحالي من أجل تهدئة الوضع، ولو لم تحدث التظاهرات لما صدرت".