استدارة ترامب في قمة السبع: نموذج لممارسة السياسة كهاوٍ

28 اغسطس 2019
الصورة
استطاع ماكرون تجاوز مستشاري ترامب المحافظين (Getty)
هي ليست الاستدارة الأولى في مواقفه السياسية وحتماً لن تكون الأخيرة. لكن لا شيء يُقلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر من هاجس الركود الاقتصادي الذي يلوح في الأفق، وبالتالي يبدي في المدى المنظور مرونة في ملفي الحرب التجارية مع الصين وأزمة الاتفاق النووي مع إيران. لكن أداء ترامب الدبلوماسي خلال قمة مجموعة السبع في بياريتز في فرنسا يبقى نموذجاً عن هذه الممارسة الشخصانية التي تعكس مكانة هذا الهاوي في البيت الأبيض على الساحة الدولية.

حين يسافر ترامب ليمثل الولايات المتحدة حول العالم يأخذ معه عاداته وطبائعه التي لا يتخلى عنها بسهولة، هو الذي يعيش في فقاعته الخاصة في المكتب البيضاوي ولديه مشكلة مضنية مع قول الحقيقة أو الثبات في المواقف. خلال يومياته الفرنسية القليلة هذه، ادعى ترامب أن حربه التجارية مع الصين لديها شعبية عند زملائه في نادي مجموعة السبع وتباهى بمتانة الاقتصاد الأميركي الذي تقول كل المؤشرات إنه يترنح. وقال إن زوجته ميلانيا التقت مع وتعرف جيداً زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون قبل أن يضطر البيت الأبيض إلى نفي هذا الأمر. بحسب إحصاءات صحيفة "واشنطن بوست" أدلى ترامب منذ مطلع العام وحتى 5 اغسطس/آب الحالي بـ 12,019 ادعاء كاذباً أو مضللاً في أكثر من 928 يوماً، أي بمعدل 13 ادعاء كاذباً او مضللاً في اليوم.

كما دافع ترامب عن بيونغ يانغ وقلل من أهمية تجاربها الصاروخية المتكررة بدل أخذ مصالح حلفاء أميركا في اليابان وكوريا الجنوبية بعين الاعتبار، وسخر كيف تغلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على سلفه الرئيس الأسبق باراك أوباما في أخذ شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، وهي القضية التي أدت إلى طرد موسكو من قمة مجموعة السبع قبل خمس سنوات. وعلى الرغم من الاعتراضات في الداخل الأميركي، روّج لفكرة استعادة عضوية روسيا في المجموعة زاعماً أن بعض نظرائه يؤيدون هذا الأمر، لكن فعلياً رئيس الحكومة الإيطالية المنتهية ولايته جوزيبي كونتي وحده يدعم اقتراح ترامب الذي يقول إن إعادة روسيا إلى المجموعة يشجعها على المرونة في ملفات مثل إيران وسورية وكوريا الشمالية.

على مدى يومين ونصف اليوم في فرنسا كل هدف ترامب وتغريداته كان محاولة إعطاء انطباع أن كل الأمور بخير وأنه على علاقة جيدة مع زعماء العالم المشاركين، وهي محاولات يسخرها خدمة لغاياته الانتخابية لترويج السرد الذي يقول إنه يمسك بقضايا السياسة الخارجية، وإن أي لوم على الركود الاقتصادي يجب توجيهه إلى الإعلام الأميركي والاحتياط الفيدرالي الذي يرفض التدخل في الاسواق الأميركية كما يطلب ترامب منه. كما غاب الرئيس الأميركي عن اجتماع القمة المخصص لقضايا التغير المناخي حيث بقي المقعد المخصص للولايات المتحدة حول الطاولة فارغاً في غيابه. وفي المحصلة، تعلم زعماء العالم من تجربة قمة مجموعة السبع في كندا العام الماضي التي فشلت في إصدار بيان مشترك مطوّل خشية من اعتراض ترامب عليه، وبالتالي اصدرت هذه المرة بياناً مقتضباً لتوفير إجماع الحد الأدنى حوله.



وكالعادة كان هناك هوة كبيرة بين كلام الرئيس الأميركي وكلام أقرب مستشاريه. تغزل ترامب بنظيره الفرنسي مانويل ماكرون الذي قام بـ"هجوم ساحر" على الرئيس الأميركي خلال القمة ونجح نسبياً في تليين مواقفه حيال الحرب التجارية مع باريس بحيث تراجع عن تهديدات بفرض رسوم على النبيذ الفرنسي ووافق على امكانية إحداث اختراق في المباحثات النووية مع طهران. لكن تسريبات مستشاري ترامب لموقع "بلومبيرغ" الإخباري أوحت بعدم الرضى من محاولات ماكرون عزل الرئيس الأميركي خلال القمة عبر التركيز على التغير المناخي، وهي القضية التي لا يراها البيت الأبيض كأولوية ولا حتى يعتقد أنها في الأصل مشكلة يجب التطرق إليها. لكن هذه التسريبات توحي أن الهدف الرئيسي من ورائها هو تحفظات بعض المستشارين من المحاولات الفرنسية للالتفاف حولهم وإقناع ترامب بضرورة التفاوض مع النظام الإيراني.
حسابات الرئيس الأميركي الانتخابية وهواجسه باحتمال حصول ركود اقتصادي في الولايات المتحدة جعلته يفرمل رسوما تجارية جديدة على بكين، وينتقل من تغريدات سابقة يعتبر فيها الرئيس الصيني شي جين بينغ "عدوا" إلى تصريحات على هامش قمة مجموعة السبع تصفه بأنه "قائد عظيم" و"رجل لامع". حتى صديقه رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون صرح أن بلاده ترغب برؤية "سلام تجاري" بدل الحروب التجارية.

قدرة ماكرون على تجاوز مستشاري ترامب المحافظين عبر التكلم مباشرة مع ترامب لترطيب الأجواء بين واشنطن وطهران عبر دعوة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى هامش أعمال قمة مجموعة السبع في فرنسا كانت أيضاً من مؤشرات الليونة الأميركية التي تزامنت مع مرونة في الموقف الإيراني. وبالتالي أصبح ظريف مرحباً به بعد وضعه على لائحة الإرهاب الاميركية.  هناك ترجيحات لعقد لقاء بين ترامب ونظيره الإيراني حسن روحاني في نيويورك بعد أسابيع. ترامب أوضح أن المطالب الأميركية الرئيسية هي تعديل الاتفاق النووي مع فترة زمنية أطول والتوصل إلى اتفاق حول ضوابط الصواريخ البالستية، وبالتالي تخلى عن شرط تعديل طهران لطبيعة نفوذها الإقليمي ولائحة المطالب المطوّلة من النظام الإيراني التي كان أعلنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو العام الماضي. المرونة الإيرانية هي في قبول بالتفاوض بعد رفض متكرر من طهران خلال الفترة الماضية، وهذه التحركات الدبلوماسية لا تحصل بطبيعة الحال بدون ضوء أخضر من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي الذي يوافق ضمنياً بامتناعه عن التعليق على هذه المباحثات المحتملة.

لكن قد يحصل الكثير خلال الأسابيع المقبلة، لا سيما في ظل تقلبات ترامب المتكررة ومحاولات المحافظين في واشنطن وطهران عرقلة أي محادثات محتملة. السيناتور الجمهوري المقرب من ترامب ليندسي غراهام غرّد معرباً عن هواجسه من استفراد ماكرون بترامب وإقناعه بتسوية مع إيران، وهو الهاجس نفسه لدى مستشار البيت الابيض للأمن القومي جون بولتون الذي يتجاوزه الرئيس الأميركي في هذه المسألة. تسعى المبادرتان الفرنسية واليابانية حالياً إلى بناء الثقة بين واشنطن وطهران، وهذا هو التحدي خلال الأسابيع المقبلة لضمان نجاح هذه الوساطات.

قمة مجموعة السبع العام المقبل في أميركا ستكون مثيرة للاهتمام لأنها ستأتي عشية الانتخابات الرئاسية الاميركية، لا سيما إذا قرر ترامب استضافتها في نادي الغولف الذي يملكه في ولاية فلوريدا على الرغم من الاعتراضات الداخلية على هذا الأمر، وإذا ما وجه دعوة إلى بوتين لحضور القمة على الرغم من تداعيات هذا الأمر على المشهد الداخلي الأميركي نتيجة اتهامات الحزب الديمقراطي بوجود تواطؤ ما بين ترامب وبوتين. الرئيس الأميركي كان أكثر دبلوماسية في قمة هذا العام، لكن بدون ضمانات وخطوات عملية خلال الأسابيع المقبلة لتسهيل المباحثات التجارية مع بكين والنووية مع طهران، نسبة التفاؤل التي تركها ترامب بعد مغادرة فرنسا قد تتلاشى فور عودته إلى واشنطن.