استثمار الصمود مفتاح الانتصار
من كان يعتقد أن العدوان الإسرائيلي يقاس بعدد الشهداء، وحجم الدمار، وعدد الصواريخ المطلقة من الأطراف كافة، فهو لم يصل إلى حدود التفكير بأهداف العملية، وغاياتها، فالعدو يحاول بناء أسطورته، وفق منهجيات مدروسة، وهوامش خسارة آنية مقبولة، لكنها على المدى الطويل، تصب في صالح أمنه واستقراره، ومشروعه الذي لم ولن ينتهي بمجرد وقف هدير الطائرات، وأزيز الرصاص.
لذلك، لا بد للمقاومة أن تنتصر سياسياُ، كما عسكرياً، بحيث يصير الانتصار العسكري عنصر قوةٍ، يمكن استغلاله على طاولة المفاوضات السياسية، لفرض شروط تحقيق أكبر قدر من النتائج الإيجابية. بعيداً عن أفعال المتاجرة بالنتائج العسكرية، عدوان "الجرف الصامد"، مثّل، منذ بدايته، إحدى حلقات اللعبة الدولية في الإقليم، فتوقيته وشدته يرتبطان بإعادة ترتيب الملفات حسب الأولويات. لأجل هذا، لا يمكن النظر إلى ملف غزة، من دون الضفة الغربية، ولا يمكن التركيز على الضفة الغربية من دون فتح الملف السوري والعراقي، ومن غير المعقول النظر إلى سياسة تركيا، من دون الانتباه لسياسة إيران.
من يعتقد أن الخروج من المأزق يكون بالموافقة والتوقيع على هدنة طويلة أو قصيرة العمر، إنما ينظر إلى المشهد من زاوية التقسيم غير المتكافئ، غير المتصل، في حين أن مشكلات الإقليم وحدة واحدة، لا انفصال بينها، فالمشكل السوري والعراقي والفلسطيني، واحد، وحله يكون بترتيب الملف ككل، لا كأجزاء. وهذا ما يسعى إليه الغرب حالياً، وما يجب أن نسعى إليه نحن، لكن، بما يخدم مصالحنا، ومستقبل الشعوب مجتمعة.
صحيح أن إسرائيل بدأت العدوان، لكن، اتضح أنه كان مطلوباً وضرورياً لبعض الأنظمة في المنطقة. لذلك، من المهم الحرص على توظيف النتائج العسكرية داعماً رئيسياً للفعل السياسي على طاولة المفاوضات، والحفاظ على مكانة المقاومة إقليمياً، وليس محلياً فقط.
العدوان على غزة، عمل على تخفيف الضغط على دمشق، وأراح نظام بشار الأسد من بعض الضغوط. في المقابل، تسير المحادثات الأميركية الغربية مع إيران بمنتهى السلاسة، وتقترب، يوماً بعد آخر، من التوصل إلى اتفاقيات نهائية، يبني عليها الغرب آمالاً كثيرة. من أهم الآمال هذه، ذهابهم إلى مصدر المشكل الأساس في المنطقة، وراعيه الشرعي ممثلاً بطهران، سواء من حيث الخبرات العسكرية والتنظيمية، أو من جانب التسلح، لعقد صفقة نهائية كبرى، تعيد ترتيب المنطقة، تصير فيها إيران شرطياً معترفاً بدوره في العالم.
هذا يعني أن انطلاق العدوان على غزة مرتبط عضوياً بتوقيع إيران على الاتفاقيات مع القوى العظمى، وإن لم تصل الأطراف المجتمعة إلى حلول ترضي الجميع، فإن غزة ستبقى في مرمى النيران الإسرائيلية! يبقى من الصعوبة بمكان إنكار نتائج المقاومة وموقعها اليوم، وتطورها عسكرياً، لكن هذا لا يعني إسقاط الفعل السياسي ودوره ومقدرته في توجيه البندقية، والدعوة إلى الحرص على توظيف ما يحقق عسكرياً في المعركة السياسية.