استئجار أراض في سيناء وتوطين اللاجئين

26 مايو 2019
الصورة
تهدف الخطة إلى نقل لاجئين من غزة إلى مصر(Getty)
+ الخط -
"تؤجر مصر لفلسطين الجديدة أراضٍ لإقامة مطار، ومصانع، ولأغراض التجارة والزراعة بدون مناطق للسكن. حجم هذه المساحات والثمن سيحدد بين الأطراف بوساطة الدول المانحة، ويُشق طريق سريع بين غزة والضفة الغربية، وسيسمح بإقامة خط لنقل المياه المحلاة تحت الأرض من غزة إلى الضفة الغربية".

كان هذا نص ما نشرته صحيفة "إسرائيل هيوم" على موقعها، وقالت إنه تفاصيل بنود وثيقة يتم تداولها بين موظفي وزارة الخارجية الإسرائيلية، - دون أن يعرف مصدرها -، ودون أن تكون موقعة بشكل رسمي من أي طرف، لكنها تحوي بنودًا شبيهة بما يتم نشره عن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن القضية الفلسطينية. وقد أثار ما كشفته الصحيفة جدلًا كبيرا، لكونها مفصلة وتصف البنود السرية لـ"صفقة القرن".

ما يمكن التوقف عنده في الوثيقة هو ما ورد في البند الرابع والخاص بقطاع غزة، إذ يبدأ النص بكلمة "تؤجر مصر لفلسطين الجديدة أراض... بدون مناطق للسكن"، الأمر الذي يعني أنه جرت عملية استبدال من التوطين وتبادل الأراضي بين مصر وإسرائيل وفق ما أعلن عنه سابقا إلى استئجار أراض، على أن تقوم الدول المانحة بدفع قيمة الإيجار لمصر.
توسعة غزة في سيناء وتوطين اللاجئين فيها لم يكن وليد ما ذكرته الصحيفة ونسبته للخارجية الإسرائيلية، فقد أجمعت كافة المشاريع الإسرائيلية المقترحة على منع عودة اللاجئين، وعلى توطينهم في البلدان المضيفة لهم أو في بلدان أخرى، ودائماً بتمويل دولي أو عربي. هذا عين ما خلصت إليه لجنة بن غوريون عام 1948، وكذلك مشروع ييغال ألون بعد عام 1967 الذي دعا إلى توطين اللاجئين في سيناء.

كان التطور الأبرز عندما قبلت الحكومة المصرية في عام 1953 اقتراح توطين بعض لاجئي قطاع غزة في سيناء، وتضمن المشروع المقدم من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين توطين حوالى 12 ألف أسرة على أراض يجري تحويلها إلى أراض زراعية في شمال غرب سيناء. رفض حينها المشروع وخرجت مظاهرات في غزة أفضت إلى تجميده على ما يبدو وليس إلى إنهائه أو إجهاضه والآن يعود بصيغة أخرى.

ما تكشفه الوثيقة يتقاطع مع جُل ما تم ترويجه لا سيما عقب وصول دونالد ترامب لإدارة البيت الأبيض. وقد قيل لإن إدارة ترامب عرضت على مصر منح الفلسطينيين حاملي الوثيقة المصرية، الذين ينتشرون في مصر وعدد من الدول العربية، الجنسية المصرية مقابل بنود عدة؛ منها: الإفراج عن المعونة الأميركية غير العسكرية للقاهرة، فضلًا عن تقديم مساعدات جديدة تحسن الواقع الاقتصادي المصري، وتسهيل حصول القاهرة على الدفعات التالية من قرض البنك الدولي.

توطين الفلسطينيين في سيناء كان ولا زال حاضرا في العقل الإسرائيلي، وما تعلن عنه الوثيقة المسربة يعني أن هناك التقاءً ما حدث بين إدارة ترامب والرؤية الإسرائيلية لتوطين لاجئي قطاع غزة، حيث دعا غيورا أيلاند، مستشار الأمن القومي الصهيوني، في 2004، إلى تنازل مصر عن 600 كلم2 من سيناء بغرض توطين اللاجئين، مقابل أن يتنازل الكيان الصهيوني عن 200 كلم2 من أراضي صحراء النقب لصالح مصر، ومنحها بعض المكاسب الاقتصادية.
ثم في عام 2013 طرح البروفيسور الإسرائيلي يهوشع بن آريه، الرئيس السابق للجامعة العبرية، خطته لتوطين الفلسطينيين، وقد نصت على أن تُمدَّد حدود قطاع غزة إلى حدود مدينة العريش، لتضم مدينتي رفح والشيخ زويد لقطاع غزة، ومن ثم توطين اللاجئين الفلسطينيين فيه.

ما ذكرته الصحيفة لا يمكن اعتباره مجرد تسريب ولا يمكن فصله عما يدور حول صفقة القرن، ونجد أنه يتقاطع مع مجموعة معطيات: منها مثلا أن أول من تحدث عن صفقة القرن كان عبد الفتاح السيسي أثناء زيارته للولايات المتحدة في لقاء مع دونالد ترامب، ولم يكن واضحا في البداية ما هو المقصود بهذه الصفقة، ولكن يبدو أن إسرائيل وواشنطن تمرران الأمر وتفصحان شيئا فشيئا عن مضمون هذه الخطة.

معطى آخر في السياق ذاته كان قد كشف عنه مبارك في تسجيل صوتي بثه على الإنترنت وقال فيه إنه رفض طلب نتنياهو إزاحة قطاع غزة إلى سيناء وتوطين الفلسطينيين في الأراضي المصرية. وقد جاء إعلان مبارك ردا على الوثائق التي نشرها موقع BBC وذكر فيها أن موضوع توطين الفلسطينيين في سيناء عُرض على مبارك في اجتماعات رسمية مع مارغريت تاتشر وأنه قد وافق. وتشير الوثائق إلى أن مبارك كشف عن الطلب الأميركي وموقفه منه خلال مباحثاته مع رئيسة الوزراء البريطانية أثناء زيارته إلى لندن في طريق عودته من واشنطن في شهر فبراير/ شباط عام 1983، حيث التقى بالرئيس الأميركي رونالد ريغان. ويلاحظ أن مبارك لم ينف الوثائق وإن كان قد نفى قبوله بالطلب الإسرائيلي، وهو ما يؤكد أن ما جاء في ما ذكرته صحيفة يسرائيل هيوم بخصوص بند غزة وتوسعتها باتجاه سيناء مطروح منذ عقود وما يُعلن عنه من بنود وفق صفقة القرن هو تتويج لمخططات قديمة وليس مجرد بالونات اختبار أو أفكار جديدة.

معطى ثالث تحدث وقائعه على الأرض هو إنهاء الوجود البشري، أي إخلاء سيناء، وتحديداً الحدود الملاصقة لقطاع غزة - رفح المصرية - من سكانها وتهجيرهم وهدم بيوتهم وتسويتها بالأرض وتهيئتها، بما يتقاطع مع ما ورد في الوثيقة، للإيجار أو ربما للتوطين لاحقاً.

وبالعودة إلى ما ورد في وثيقة الخارجية الإسرائيلية، وتحديدا نص تؤجر مصر، نجد أن مصطلح "تؤجر" يتقاطع مع ما ذهب إليه المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جيسون غرينبلات في 20 إبريل/ نيسان 2019 وقوله إن خطة الرئيس دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط لن تشمل منح أرض من شبه جزيرة سيناء المصرية للفلسطينيين.

يأتي مصطلح "تؤجر" الذي تذكره الوثيقة كمحاولة استشعار مسبقة أو كعملية التفاف على ما قد يحدث من رفض شعبي مصري وفلسطيني قد يعطل صفقة القرن كما عُطلت مشاريع سابقة، خاصة إذا ما قيل بأنه تبادل أراض كما كان معلنا بأن تقوم مصر بالتنازل لغزة عن مساحة 720 كلم2. وهي مساحة تساوي حوالي 12% من أراضي الضفة الغربية والتي سيتنازل عنها الفلسطينيون للإسرائيليين، في مقابل أن تأخذ مصر من إسرائيل مساحة قد تصل إلى 720 كلم2 في منطقة فيران، جنوب غرب صحراء النقب، أي أرض مقابل أرض.

تكتفي الوثيقة بذكر "تؤجر" وتذكر أن الأمر لا يتعلق بمناطق سكن أي توطين، وتضيف أن الاستئجار سيكون من أجل إقامة مطار ومصانع وتجارة وزراعة، لكنها لا تذكر قيمة الإيجار ولا مدة الإيجار. الإسقاط هنا لا يمكن فهمه إلا أنه قد يكون استئجارا مدى الحياة، وهو ما يعني عمليا تمدد قطاع غزة في سيناء دون ذكر لمن تكون السيادة في هذه الأرض المؤجرة، والأهم أن المنوي إقامته ليس مشروعاً زراعياً أو ميناء محدداً، أي أن الحديث لا يدور عن استئجار مبنى أو منشأة أو مساحة معينة ومعلومة سلفاً، لكن الأمر يتعلق ببنية استراتيجية وبمطار وميناء ومشاريع اقتصادية ومصانع ومناطق تجارية عائدها لقطاع غزة أو فلسطين الجديدة.

المساهمون