ازدواجية أردنية حرجة

10 سبتمبر 2020
الصورة
احتجاجات في عمان ضد ضم دولة الاحتلال للقدس

في قصة الكاتب والروائي الأميركي، ماريو جيانلويجي بوزو (Puzo) الشهيرة "العراب"، (Godfather)، نعلم أن الدُّون، أو العرّاب، ينتزع من ضحاياه القبول بما يريده منهم، لأنه يعطيهم عرضاً لا يستطيعون رفضه.

ومن الأمثلة على ذلك أن يطلب من ضحيته "إما أن توقع على هذا التنازل بقلمك، أو أن أملأ هذه الورقة برذاذ مخك، بعدما أطلق الرصاص على رأسك". 

هذا الوقت الذي تتعرّض له دول نامية كثيرة من القوى المتنمّرة الدولية أو الإقليمية هو ما سمّاه القاصّ الأميركي جوزيف هيلر "كاتش. 22"، أو "صيد. 22"، كما اجتهد بعضهم في ترجمته إلى العربية، وهو أن تضع الشخص بين خيارين، أحلاهما مُرُّ.

يتصرّف الأقوياء في هذا الزمن كرؤساء عصابات، يديرون الأمور على أساس أن كل ما يطلبونه يجب أن يكون مُجاباً، وأن من يتلكأ أو يرفض القبول يكون جزاؤه الحصار، أو حجب المساعدات، أو توريطه في مشكلات تدفعه إلى الرجاء من أجل العودة إلى ما كانت الأمور عليه.

ولذلك، هم يضعونه في خانةٍ ضيقةٍ ليس أمامه إلا أن يقبل أو يرفض بدون خيارات أو فسحة زمنية تسمح للمستهدَف بالمناورة.

على الصعيد المحلي، يواجه الأردن حالة "صيد. 22" في مواجهة فيروس كورونا، فالمسؤولون الصحيون قد استمرأوا القوة التي منحت لهم في الأشهر السبعة الأخيرة، وتعوّدوا على قانون الدفاع لفرض كلمتهم، وصاروا لا يقبلون أي رأي آخر.

وفي المقابل، يريد بعض المسؤولين في القطاعات الأخرى وغالبية الناس والقطاع الخاص إلغاء فكرة الحظر، واستبدالها بمبدأ الانفتاح في السوق وفي المناطق الحدودية والمطارات، وفي إعادة فتح المدارس والجامعات.

 

ويجد الأردن في حرصه على صحة مواطنيه ونظافة مجتمعه من حالات كورونا أنه يدفع ثمناً اقتصادياً باهظاً فوق الثمن الذي تحَمّله.

وإذا استمر الحال على حاله حتى نهاية العام، فسيصبح الوضع الاقتصادي للأردن كارثياً، فنسبة البطالة سوف تصل إلى حدود 28%، والعجز في الموازنة العامة للدولة قد يصل إلى 20% من حجم الموازنة، وسترتفع نسبة الدين العام إلى 110% من الناتج المحلي الإجمالي على الأقل، وستصل نسبة الفقر إلى 25%، وسيهبط معدل دخل الفرد عن عام 2019 بنسبة 8%، وسيهبط الناتج المحلي الإجمالي إلى سالب 5.5%.

وتقلق هذه الحقائق المسؤولين بالقدر الذي تقلق المستثمرين والتجار والزّراع والصناعيين، والقلقين خشية من الضغوط السياسية التي قد تمارس ضد الأردن.

وأمام حالة الوضع الاقتصادي الدقيقة، تزداد الضغوط على الأردن من أجل أن يتخذ موقفاً أكثر مرونة تجاه نيات إسرائيل بضم أراض فلسطينية تحت سيادتها، ما يقلل من فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وما يضيف ضغوطاً على الأردن، ليغير موقفه تجاه استيعاب أعداد أكبر من الفلسطينيين الذين ستُمارس إسرائيل عليهم قانون يهودية الدولة، وغيرها من الأعذار الأمنية، حتى يصبح الأردن حُكْماً الوطن البديل.

وهذا هو موقف الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو، وموقف المتشددين اليهود، وموقف كثيرين من أنصار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وموقف أنصاره من المتدينين المتصهينين.

 

وبسبب موقف بعض الدول العربية المعلنة أو المعلومة من دون إعلان، تتصاعد الضغوط على الأردن، بتهديده إن أبدى امتعاضاً بحرمان أبنائه من فرص العمل في هذه الدول، ومن الاستثمارات والمساعدات القادمة منها.

والكل يعلم أن الموقفين، الأردني والفلسطيني، متساندان، ويدعم أحدهما الآخر. وكثيرون من الأردنيين العاملين في دول الخليج هم من أصول فلسطينية، وعودتهم حالياً إلى الأردن سوف تصبّ في خانة الوطن البديل الذي لا يرضى به كل أبناء الشعب الأردني.

ولذلك، يوضع الأردن أمام خياراتٍ صعبةٍ في رزقه واقتصاده، ويتعرّض لضغوط دولية وإقليمية تجعل أي خيار يقبل به صعباً، ومُرّاً كالعلقم.

وأمام هذه الخيارات الصعبة، ترى أن الأردن يسعى من أجل تحسين فرصه في كل من سورية والعراق، وهما شريكاه التاريخيان بحكم الجوار والنسب والعلاقات الطويلة.

ولكن الولايات المتحدة تخرج علينا بـ" قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين" (Ceaser Act) الذي دخل حيز التنفيذ في 17 يونيو/حزيران الماضي ويعاقب كل من يتعامل مع المؤسسات العامة وشخصيات كثيرة عامة في سورية. وكذلك نرى أن جهات عديدة في العراق تثير الشغب ضد الأردن، ولكن الفرص هنا كبيرة.

وقد ترأس الملك الأردني عبدالله الثاني قمة قصيرة مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، يوم 26 أغسطس/أب الماضي، من أجل إيجاد جبهة موحّدة تخفّف عن الأردن موقعه في زاوية حادّة من الخيارات الصّعبة.

أمام كل هذه القضايا المعقدة، تفضّل السياسة الأردنية حالياً الصمت على الكلام، والكتمان على الإفصاح، والانتظار قبل القرار، حتى يحكم على محصلة اتجاه الأحداث، ولكي يستطيع الأردن حينئذ اتخاذ القرار الصحيح.

 

وهذا بحد ذاته يقلق أردنيين كثيرين لا يدرون ما إذا كان سيُفْرض حظر يوم الجمعة المقبل، أو إذا كان المطار سيفتح أم لا، أو إذا كانت الانتخابات التشريعية سوف تجرى، أو إذا كانت الحكومة ستبقى أم سترحل مع مجلس النواب، أو ماذا سيحصل مع مجلس الأعيان الذي تنتهي مدته يوم 26 سبتمبر/أيلول الجاري، أو إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيخسر أمام جو بايدن الانتخابات الرئاسية المقرر اجراؤها يوم 3 نوفمبر المقبل، أم لا، أو إذا كانت حرب ستقوم، أو أن ترفع القيود عن سورية أم … أم … أم …كل هذا الغموض يزيد الأمور تعقيداً على تعقيد.