ارتدادات دعوة راشد الغنوشي لزيارة الكويت

21 يونيو 2020
عندما تولى الأستاذ المفكر راشد الغنوشي رئاسة البرلمان التونسي، البعض رأى في ذلك انغماساً منه في بحور السياسة وتكراراً للخطأ الذي اتهم به البعض الراحل حسن الترابي، كانوا يرون أن القدرة الكبيرة التي يتمتع بها في التفكير والتنظير تحتم عليه البحث عن مخرج للحركة الإسلامية على مستوى العالم، نظراً لما تعانيه من صداع وضبابية في الرؤية والتعامل مع الواقع المتغير الراهن، لكن النتيجة التي نراها الآن حتى لو توقفت هنا ولن تتوقف، نلحظ أن الرجل بتوليه الرئاسة للبرلمان أعاد حق "النهضة" والتيار الديمقراطي المساند للثورة، الحق الذي خسرته تنازلاً من أجل البلد نتيجة التوافقات وخلاصاً لتونس من الصورة المصرية الدموية.

يبدو أن الرجل قد اكتملت نظريته الفكرية السياسية الإسلامية التي خطها علمه وعمله خلال العقود الماضية، ويعمل الآن من أجل إنزال تلك الأفكار والنظريات المبثوثة في مؤلفاته على الواقع. مجرد توليه رئاسة البرلمان هو اصطفاف لتونس البلد الثوري الأول، مع القوى الحرة والدول المدنية التي ترى الحلول في الوسائل المدنية السلمية، اصطفاف ضد القوى التي تدمر وتحطم من منطلق خلافات إيديولوجية أو مصلحية حزبية أو دولتية بحتة..

قيادته للبرلمان أسبغت الشرعية الوطنية على تحركاته الدولية ولقاءاته الدبلوماسية مع القادة والسياسيين على مستوى العالم، وسداً لكل التشويش الذي كان يسببه محور الشر العربي، هو الوجه الحي الأبرز الآن للربيع الديمقراطي التحرري الثوري المدني، ومن هنا كانت إصابة القوى الرجعية بالحمى والصداع الفاقد للتوازن بمجرد الإعلان عن تلقيه الدعوة لزيارة الكويت، البلد المتوازن الباحث عن السلم والعمل الجماعي على مستوى الخليج..


إنّ الاعتراض الممسوس على الدعوة نابع من كونه نموذجاً راقياً جميلاً وحديثاً معاصراً للفكرة الإسلامية وتعاملها مع الأحداث اليومية السياسية والوطنية في عمومها، لهذا يعترضون، أما لو كان نموذجاً سيئاً مائلاً كان محل ترحاب أو لما اعترضوا، لو كان الراشد من الإسلاميين الذين يتبنون العنف أو الفكر البدوي المتشدد، لبسطوا له الفرش الأحمر لأنه يشوه، لكن أن يكون راقياً فهذا غير مسموح.

لو كان طائفياً، يمتلك قناة إعلامية تبث السموم والاتهامات لدول الخليج، لما كان يواجه اعتراضاً ورفضاً، وقد حصل هذا، حصل أن زار الكويت ودولاً عربية أخرى أناس سياسيون، يمشون بعكازات طائفية معاكسة، لكن استقبالهم جرى على أعلى مستوى وتغطية إعلامية، وإبراز ذلك كدليل على الانفتاح على جميع الفرقاء، من دون أن تفيد تلك الزيارات بشيء، أما الغنوشي فيكون استقباله غير مرغوب فيه.. ربما إن فشل جبهة النكوص الديمقراطي في مساعيها وقدرة الرجل القائد على احتواء كل المحاولات التي جرت بروح عالية وبجلسة مفتوحة للبرلمان التونسي دامت عشرين ساعة منقولة على الهواء عبر التلفزة الوطنية، مشهد لم يسبق أن حدث في أرقى الديمقراطيات العالمية..

إن ما يجري في تونس الآن هو ليس جديداً، بدأ منذ الشهور الأولى للثورة، وقبل مصر، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، الشعب التونسي يمتلك في غالبيته ثقافة مدنية متقدمة، فالاختلاط مع أوروبا متعهم روح قبول الآخر، سوى بقايا الأنظمة الفاشية التي حكمت خلال العقود البائدة، وللغنوشي دور كبير في إيصال تونس إلى هذه المرحلة. هو صراع بين مشروعين، مشروع رجعي متخلف في الفكر السياسي، لاإنساني في التعامل مع الاختلافات، ومشروع مدني ديمقراطي حديث، يقبل الآخر في إطار الحرية المقننة والمثبتة في مواد الدستور. مشروع يفضل القتل والهتك والتدمير من أجل الحصول على النفوذ الفارغ، ومشروع يعمل من أجل جعل الشعوب مرجعاً يعيش بسلام وهدوء لإتاحة المجال له ليعبر عن نفسه واختيار البناء السياسي والاجتماعي الذي يرتضيه..

إن محاولة الضغط على تونس لإرجاعها إلى حقبة الاستبداد والدخول في مرحلة التدمير والقضاء على السلم الاجتماعي وتفكيك الوحدة المجتمعية التونسية، هو الكامن خلف كل تلك المحاولات، بغية إلحاقها بمحور الهدم والتدمير، وانتقاما لخسارة ليبيا، والخوف من خلق حالة من الانسجام السياسي بين الكويت وقطر وتونس، بما للرئيس راشد الغنوشي من مكانة في قطر، وما لقطر من محبة في قلب الرجل، وهذا قد يحاصر الجهود التدميرية التي تظهر من بعض الدول دون تورع ويحجمها، فهو صراع بين مشروع ينظر إلى الأمام وفق المبادئ الحديثة لنهضة الأمم المتصالحة مع التأريخ وثقافة الشعب الحضارية، ومشروع يرى المسقبل من قفاه، غلبته الشهوات ونزوات السيطرة بأي ثمن كان.