ارتدادات استبعاد حفتر من المشهد الليبي سياسياً وعسكرياً

10 يونيو 2020
الصورة
تصرّ قوات "الوفاق" على استعادة السيطرة على سرت(فرانس برس)
لا تزال قوات حكومة "الوفاق" مصرّة على استعادة السيطرة على مدينة سرت، على الرغم من الدعوات الدولية للتهدئة ووقف إطلاق النار، في وقت يبدو فيه أن الأوضاع تذهب إلى مزيد من التعقيد، تزامناً مع غموض كبير يلفّ مصير اللواء المتقاعد خليفة حفتر، العسكري والسياسي.
وأكد المتحدث الرسمي باسم الجيش الليبي، محمد قنونو، إصرار حكومة "الوفاق" على استعادة السيطرة على مدينة سرت، قائلاً: "منذ شهور ونحن ننادي مشايخ وأعيان سرت لتحكيم العقل وتجنيب المدينة ويلات الحرب... اليوم نرسل النداء الأخير، فلن نتراجع عن إعادة بسط سيطرة الدولة على سرت". وأوضح، في تصريح نشرته عملية "بركان الغضب"، على صفحتها الرسمية في "فيسبوك"، ليل أمس الثلاثاء، أن قوات الحكومة استهدفت، ليل البارحة، مراكز لمليشيات حفتر الإرهابية والمرتزقة داخل مدينة سرت.


يأتي ذلك بالتزامن مع تزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والتهدئة، فقد حث وزراء خارجية دول فرنسا وألمانيا وإيطاليا، بالإضافة للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل، جميع الأطراف الليبية "على الوقف الفوري والملموس لكل العمليات العسكرية والانخراط بحسن نية في مفاوضات 5 + 5"، التي ستفضي إلى تفاهمات جادة حول طاولة الحوار السياسي، بحسب البيان الأوروبي المشترك الذي نشرته وزارة الخارجية الإيطالية مساء أمس.
لكن مراقبي الشأن الليبي يرون أن تداعيات بروز حفتر ومشروعه المدعوم إقليمياً ودولياً في المشهد الليبي لن تتوقف عند حدّ وقف مشروعه العسكري والسياسي، والذي بدا واضحاً وجلياً في المبادرة السياسية التي أعلنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي.
وأكد مسؤولون بارزون لـ"العربي الجديد"، في وقت سابق من يوم أمس، الثلاثاء، اتفاق حلفاء حفتر على إنهاء دوره، وأن أمره "حُسم، وأنه لم يعد له دور فاعل في المشهد الليبي، فخلال الفترة القادمة سيتم تعويمه، عبر اختفائه من عناوين الأخبار ووسائل الإعلام التابعة للدول التي دعمته في السابق".
وأوضحت المصادر نفسها أن "هناك توافقاً مصرياً فرنسياً إماراتياً، دعمته كل من روسيا والولايات المتحدة، بشأن انتهاء دور حفتر، بعد الفشل الكبير، وبعدما تأكد أنه من الصعب تحقيق نتائج إيجابية تسمح بتهدئة المنطقة في وجوده، خصوصاً في ظل عدم التزامه بما يتم الاتفاق عليه، مع داعميه وحلفائه"، لكن الباحث في العلاقات الدولية، مصطفى البرق، يرى أن هذه الخطوة غير كافية فـ"تركة حفتر ثقيلة جداً، وستكون عرقلة حقيقية في طريق الذهاب إلى المفاوضات"، مضيفاً: "إذا كانت المفاوضات ستبدأ بلجنة 5 + 5 العسكرية، فمن يمثل قوات حفتر الآن؟".
وتابع، في حديثه لـ"العربي الجديد": "مزيج المليشيات غير المتجانسة التي تركها حفتر خلفه لن ترضخ لأي نتائج ستخرج من طاولة اللجنة العسكرية، خصوصاً الفصائل المسلحة الموالية للنظام السابق، والتي بات يعتمد عليها حفتر بشكل كبير في الآونة الأخيرة، خصوصاً في جنوب طرابلس وترهونة"، مستشهداً بأن بيانات صدرت قبل أسابيع من قياداتها ترفض الانصياع لأوامر حفتر بالانسحاب من جنوب طرابلس وتتهمه بالخيانة.
وبشأن الدعوة الأوروبية المشتركة للتهدئة ووقف القتال وبدء حوار اللجنة العسكرية، اعتبر البرق أن لها علاقة باستعدادات "الوفاق" لاقتحام سرت، موضحاً أن سرت التي أشيع بأنها خط أحمر، يقصد بها حساسيتها بالنسبة لمنطقة الهلال النفطي الاستراتيجية.
ويبدو أن القاهرة تكافح من أجل عرقلة تقدم قوات الحكومة باتجاه سرت المفضية إلى منطقة الهلال النفطي وأحواض النفط، وسط البلاد، كونها الورقة الوحيدة التي يمكن أن يجلس حلفاؤها في شرق البلاد على طاولة المفاوضات السياسية لبحثها، لا سيما رئيس مجلس النواب المجتمع بطبرق عقيلة صالح، وبالتالي فإنّ الضغوط الأوروبية تتجه إلى وقف القتال عند سرت، وبدء مفاوضات اللجنة العسكرية التي ستكون أولى مهامها ترسيم حدود فاصلة بين القوتين.
لكن البرق يشير إلى جانب آخر لا يقل خطورة بالنسبة للقاهرة، ممثلاً في قدرتها على ضبط فصائل الشرق الليبي وزعاماتها القبلية، قائلاً: "قد يكون حفتر أوهم العالم ببعض الفصائل النظامية التي كان يستعرضها في محافله الإعلامية، لكن الأسابيع المقبلة، وعلى حدّ أقصى الأشهر المقبلة، ستكشف أنه لم يكن يقود جيشاً، بل مزيجاً من الفصائل القبلية والمناطقية، بالإضافة للمرتزقة، التي ستدخل في عمليات تناحر لاقتسام أراضي النفط أو مراكز النفوذ في مدن شرق البلاد وجنوبها". وأكد أن القاهرة، المعني الأول بالشرق الليبي، ستحتاج إلى وقت طويل لترتيب تركة حفتر قبل الحديث عن أي مفاوضات سياسية أو عسكرية.
وفي أولى مؤشرات فوضى السلاح الذي تركه حفتر، قيام فصيل مسلح بإعادة غلق حقل الشرار النفطي الذي تمكنت المؤسسة الوطنية للنفط من إعادة تشغيله بعد أشهر من إغلاقه على يد موالين لحفتر، تبيّن، من خلال بيان للمؤسسة أمس، الثلاثاء، أن وراءه "العميد محمد خليفة، آمر ما يُسمّى بحرس المنشآت النفطية بالجنوب، والمدعو أحمد إبراهيم بن نايل"، وهما من أبرز قيادات الفصائل القبلية بالجنوب الموالية للنظام السابق.
وبينما يتفق الناشط السياسي الليبي عقيلة الأطرش على أن المبادرة السياسية التي أعلنها السيسي "لا تعدو كونها إعلاناً ضمنياً عن نهاية حفتر، وتجميداً للأوضاع حتى حين تدارك آثارها على الصعيدين السياسي والعسكري"، يرى أن معركة سرت "حدث فاصل بالنسبة لمستقبل الحوار السياسي، فحكومة الوفاق لا يبدو أنها تسعى للسيطرة كلياً على منطقة الهلال وحوض النفط، بقدر ما تسعى للسيطرة على سرت، لتكون عامل تهديد وضغط على المنطقة لإضعاف ورقة النفط".
وتسيطر على منطقة الهلال النفطي وحوض زلة، أهم مناطق النفط في البلاد، قبائل، أهمها قبيلة المغاربة والزوية والمجابرة، التي عرف حفتر كيفية إدارة الخلافات بينها لضمان سيطرتها على المنطقة لصالحه.
ويلفت الأطرش في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن مخاطر سيطرة هذه الأطياف القبلية على المناطق الحيوية والاستراتيجية في وسط البلاد، تتمثل في وجود مطالب فيدرالية كامنة، موضحاً أن "خطورة نشاطها مجدداً في هذه المنطقة قد تفضي إلى الحديث عن التقسيم، في حال أصرّت قوات الحكومة على ضرورة تبعية منابع النفط لها، وخصوصاً أن إجدابيا، عاصمة هذه القبائل، شهدت مرات عدة جنائز جماعية للقتلى من أبنائها الذين دعمت بهم حفتر في حربه على الحكومة في جنوب طرابلس"، مشيراً إلى أن حديث السيسي في أكثر من مناسبة عن "التقسيم العادل للثروة" كان استشرافاً مبكراً كحلّ لأحد أخطر تداعيات فشل حفتر العسكري.