احتراماً للذات

12 اغسطس 2019
الصورة

(سمعان خوام)

على هامش مباراة كرم قدم نسوية في دولة أوروبية، قام معلق رياضي شهير بالتحرّش لفظياً بإحدى اللاعبات، حيث أفرد مساحة كبيرة من كلامه للتغزّل غير البريء بمحاسن اللاعبة الفاتنة الراكضة في أرض الملعب، غير عابئةٍ بشيء سوى تحقيق الفوز، مستغرباً ومستحسناً أن الفتاة، على الرغم من الركض المستمر وتصبّب العرق في أثناء مجريات المباراة التي تنطوي على توتر وشد أعصاب كبير، ظلت محتفظةً برونقها وجمالها. لم يكتف المعلق الجهبذ بذلك الخطاب المبتذل الذي يؤكّد النظرة الذكورية المتخلفة التي تشيئ المرأة، ولا ترى فيها إلا موضوعاً جنسياً، بل تطاولاً على بنات جلدته، حاطّاً من شأنهن، هاجياً صفاتهن الجمالية، واصفاً إياهن بالقبح الشديد الذي تغطيه مساحيق التجميل.
ما شجّعني للبحث عن هذا المعلق غير الظريف الذي عبر عن مستوىً فكريّ متدّن جدا إصراره الطائش على عقد مقارنة بين النساء في الغرب والشرق، مرجّحا، بطبيعة الحال، كفة المرأة الغربية. وبعد البحث والتدقيق على موقع غوغل، تم العثور على صورة المعلق، خبير الجمال الذي يطلق الأحكام السطحية، عبر منبر يصل إلى أعداد كبيرة من الشباب، تبيّن أن الرجل يفتقر إلى أبسط مقومات الوسامة التي تؤهله لإبداء الرأي في هذا السياق. يعني أنه ليس هناك أي شبه مع جورج كلوني أو براد بيت مثلا! ويمكن العثور على مقاطع للمعلق الرياضي نفسه في مباريات رجالية، حين يبتعد عن أرض الملعب، ويتجوّل بين الجمهور، باحثا عن وجوه النساء الجميلات، ليغدق عليهن كلمات الغزل الرقيعة والمبتذلة، مقترحا على إحداههن الزواج منه، متناسيا أن أي مقارنة بينه وبين الرجال الأوروبيين تعقد على طريقته الفجّة لن تكون في صالحه.
الغريب أن هذا النموذج المؤسف من الرجال العرب يجد من يشجّعه ويوهمه بأنه خفيف الظل. يعتقد هؤلاء أن المرأة الغربية التي تعبر عن استقلاليتها وحريتها، من خلال طريقة لباس معينة، رخيصة متاحة لأمثالهم من المكبوتين جنسياً. وغالبا ما يصدمهم الرفض الذي يواجهونه حين يحاولون التقرّب من نساءٍ يتمتعن بحرّية الاختيار. طريقة تفكير سطحية تميز تعاطيهم مع المرأة المتميزة المتحققة، فيسعون إلى الحط من شأنها، بالتركيز على تفاصل شكلية متعلقة بجسدها. وكلما زاد تفوّق المرأة الفكري والأكاديمي أمعنوا في التقليل من أي منجز أنثوي يتجاوز مواصفات الشكل. وهذا هو المأزق الحقيقي لهذا النموذج الشائع من الرجال العرب الذين يعانون من ازدواجية خطيرة. يتعاطى الواحد منهم مع والدته ونساء الأسرة من بنات وأخوات من منطلق القداسة، ممنوع على الآخرين حتى التلفظ بأسمائهن، كونهن رمزا للعفة والطهارة والشرف الرفيع. محظور عليهن حتى فتح حساب على "فيسبوك"، فيما يسمح لنفسه بالتعدّي، على سبيل تزجية الوقت، على خصوصية الصديقات المفترضات، فيتحرّش بهن تحت عنوان الصداقة. ويستغرب عندما تحظره إحداههن، لأنه، وبسبب مستوى تفكيره النمطي القاصر، يعتبرها متاحةً لمجرّد أنها تملك حساباً على مواقع التواصل، تطرح فيه أفكارها وتعبر عن مواقفها، وتتصرّف بشكل حر، وهي المنظومة نفسها التي تحكم طريقة تفكير ذلك المعلق الخطرة وتبيح له التطاول على الأخريات. الخطورة في حالته أنه يمتلك منبرا يخاطب فئة الشباب التي تتابع الأحداث الرياضية بشغف، فتنقل إلى لاوعيها مثل تلك السلوكيات غير اللائقة، باعتبارها حقا طبيعيا للرجل، فتتكرّس تلك العقلية المتخلفة الرجعية التي نعمل، آباء وأمهات، على مقاومتها، وتجنيب أولادنا التأثر بمفرداتها، مؤكدين عليهم قيم تعاملٍ أكثر أخلاقية تبدأ من احترام حضور المرأة، كونها كائنا حرّا يتمتع بالكرامة، والتعامل معها بثقة وتقدير عنواناً رئيسياً لاحترام الذات.
تعليق: