احتدام الصراع يكبّد قطاع الاتصالات اليمني خسائر باهظة: سوق سوداء للإنترنت

02 فبراير 2020
الصورة
مشاكل خدمات الهاتف النقال ترهق المواطنين (خالد فزاع/فرانس برس)

 

عادت خدمة الإنترنت في اليمن مجدداً إلى دائرة الاحتضار منذ يومين، بعد فترة انتعاش محدودة استمرت نحو أسبوع، وسط صراع محتدم واتهامات متبادلة بين الحكومة الشرعية والحوثيين الذين يستحوذون على إدارة قطاع الاتصالات الذي تتجاوز إيراداته السنوية 800 مليون دولار، وفق تقديرات رسمية.

وكانت المؤسسة العامة للاتصالات، والشركة اليمنية للاتصالات الدولية "تيليمن"، قد أعلنتا مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي توقف أكثر من 80% من خدمة الإنترنت الدولية في البلاد.

وحسب تقرير رسمي صادر عن وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، فإن عدد المشتركين في خدمة الهاتف النقال في اليمن وصل نهاية عام 2019 إلى نحو 18 مليوناً و597 ألف مشترك.

وتتصدر شركة يمن موبايل الحكومية خدمة الهاتف النقال بنحو 7.4 ملايين مشترك، تليها شركة "سبأفون" بنحو 6.597 ملايين مشترك، التي كانت مملوكة لرجل الأعمال الشيخ حميد الأحمر، قبل نقل ملكيتها إلى شركات ورجال أعمال آخرين، قبل بداية الحرب بفترة وجيزة، ومن ثم احتدام الصراع عليها وبسط الحوثيين السيطرة على إدارة أقدم شركة اتصالات في الهاتف النقال في البلاد، ثم تأتي شركة "إم تي إن" بنحو 4.9 ملايين مشترك.

وأوضح التقرير الذي اطلعت عليه "العربي الجديد" أن إجمالي مستخدمي الإنترنت في اليمن بلغ 7.19 ملايين مشترك بمعدل 25% من إجمالي عدد السكان.

في السياق، يقدّر تقرير صادر عن الشركة اليمنية للاتصالات الخاضعة لسيطرة الحوثيين خسائر قطاع الاتصالات جراء الحرب بنحو 100 مليار ريال (الدولار = 250 ريال) نتيجة الاستهداف المباشر من قبل طيران التحالف لأكثر من 500 موقع وشبكة اتصالات، منها 333 محطة إرسال هوائية خاصة بالتغطية لهواتف النقال التابعة لشركة يمن موبايل الحكومية والشركات الأخرى الخاصة.

وتتضمن الأضرار، وفقاً للتقرير الذي اطلعت عليه "العربي الجديد"، مباني وأبراجاً ومحطات وتجهيزات السنترالات والإنترنت والشبكة النحاسية والتكييف والاتصالات الريفية. ويرجع التقرير تضررها أيضاً إلى أعمال التخريب والنهب والسرقة.

وتعتبر الحكومة اليمنية سيطرة الحوثيين على قطاع الاتصالات أمراً غير قانوني، إذ تجني سنوياً موارد ضخمة حسب مصدر حكومي لـ"العربي الجديد"، تستخدمها في مجهودها الحربي، في ظل توقف مرتبات موظفي الدولة التي من المفترض أن تصرف من مختلف الإيرادات الحكومية التي يسيطر الحوثيون على معظمها.

وحمّل المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، الحوثيين مسؤولية العبث بهذا القطاع الحيوي ووضع أيديهم على شركات الاتصالات وزيادة الجبايات المفروضة عليها وتحصيل مواردها والعبث بمختلف الخدمات المرتبطة بالاتصالات، ومنها خدمة الإنترنت.

وأشار المصدر إلى اتخاذ الحوثيين إجراءات للتضييق على هذا القطاع من خلال رفع الجبايات على مبيعات فواتير بطاقات الشحن وفرض قيود على الشركات ومنعها من استيراد أي أجهزة ومعدات متعلقة بخدمات الاتصالات.

وفي هذا السياق، يتحدث الباحث الاقتصادي، فؤاد النقيب، لـ"العربي الجديد" عن سوق سوداء مرتقبة للإنترنت في اليمن، مع تأخر عودة الخدمة بكامل سعتها وتعقيد عملية إصلاح خط فالكون البحري.

ويتجه الحوثيون، كما يوضح النقيب، إلى إنشاء شركات خاصة في مناطق سيطرتهم في حال نجاح مساعيهم في التعاقد مع شركات في المنطقة تستطيع أن تزودهم بكابلات مرتبطة بها، وهذا أمر وارد حدوثه في الفترة القادمة.

ويرى أن العجز الحكومي وتقويض التحالف للمؤسسات الحكومية والحيلولة دون عودتها إلى المناطق المحررة، سمحت للحوثيين بتوسيع سطوتهم ونفوذهم على مختلف القطاعات الاقتصادية، ومن أهمها الاتصالات.

ويؤكد أن الحكومة قررت منتصف العام الماضي نقل الشركة اليمنية للاتصالات إلى عدن، لكن بدلاً من تفعيلها سمحت لشركة خاصة مستحدثة بإطلاق خدمة "عدن نت" لتزويد العاصمة المؤقتة بخدمة الإنترنت.

ويقول إنها شركة غامضة لا أحد يعرف تبعيتها، ولا تخضع بياناتها المالية لأي إشراف أو تدقيق قانوني رسمي.

وكان الرئيس التنفيذي للشركة اليمنية للاتصالات "تيليمن"، علي نصاري، قد أكد في مؤتمر صحافي عقدته الشركة أخيراً، أن انقطاع خدمة الإنترنت في اليمن حصل نتيجة تعرض الكابل البحري الدولي "فالكون" للانقطاع في البحر الأحمر بالقرب من ميناء السويس، الناتج من مرساة سفينة كبيرة، بحسب إفادة الشركة المالكة للكابل.

وحسب نصاري، فإن الشركة اليمنية للاتصالات (مؤسسة حكومية) تبذل جهوداً كبيرة من أجل توفير سعات إسعافية مؤقتة لضمان استمرارية خدمة الإنترنت إلى حين استكمال عملية الإصلاح وعودة الخدمة كاملةً.

وطبقاً للرئيس التنفيذي للشركة اليمنية للاتصالات، إن انقطاع الكابل البحري "فالكون" أثر بخدمة الإنترنت في اليمن وعدد من دول المنطقة مثل السودان والكويت والسعودية، لكن التأثير في اليمن كان أشد وطأة مقارنة بالدول الأخرى المشاركة في الكابل.

وكانت الخدمة قد تحسنت بشكل محدود الأسبوع الماضي، وأعلنت الجهات المختصة استعادة 50% من الخدمة، ثم عادت لتنقطع مرة أخرى منذ يومين.

وأبدت الشركة اليمنية للاتصالات استعدادها لتعويض المشتركين المتضررين من انقطاع خدمة الإنترنت، رغم الظروف والأوضاع الصعبة التي تمرّ بها الشركة، انعكاساً للوضع العام في البلاد، إذ لا تستطيع استخدام البدائل المتاحة لحين إصلاح الكابل البحري.

وفي هذا الخصوص يوضح المدير التنفيذي للقطاع الفني في شركة "تيليمن"، عبد الرحمن المطري، عدم قدرة الشركة على استخدام الخيارات والبدائل المتاحة لعدة أسباب، منها انقطاع الكابلات البرية مع السعودية التي تعرضت منافذها للتدمير نتيجة الحرب الدائرة.

ويؤكد المطري لـ"العربي الجديد عدم صحة الادعاءات التي يجري تداولها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي تزعم أن انقطاع الكابل "فالكون" يعود إلى تقاعس "تيليمن" عن سداد ديون مستحقة للشركة المالكة للكابل.

ويعيش اليمن في عزلة ووضع صعب واتهامات متبادلة بالمسؤولية بين الحكومة اليمنية والحوثيين نتيجة انقطاع خدمة الإنترنت، الأمر الذي أصاب الحياة العامة وقطاعات الأعمال والبنوك والمصارف بالشلل التام.

وأدى انقطاع الإنترنت إلى تضرر المصارف المحلية، إذ توقفت خدمة الارتباط بشركات الصرافة الدولية، وعُلِّقَت الحوالات المالية، إضافة إلى توقف التعاملات بين البنوك اليمنية والقطاع البنكي الدولي، وأدى أيضاً إلى شلل كبير يضرب المعاملات التجارية وقطاع الأعمال.