احتجاجات العراق: تصعيد القتل لمواجهة غضب الشارع

بغداد
زيد سالم
ذي قار
محمد علي
27 أكتوبر 2019
تتأزم الأوضاع في العراق مع ارتفاع أعداد ضحايا التظاهرات التي تشهدها البلاد لتصل حتى مساء أمس السبت إلى أكثر من 60 قتيلاً ونحو 2400 مصاب، فيما تبدو الآفاق مغلقة أمام السلطات لوضع حد للأزمة، مع غياب أي وعود إضافية في جعبة رئيس الحكومة عادل عبد المهدي لتقديمها للشارع، وفي ظل غياب دعم المرجعية الدينية له، وذلك في وقت يحاول فيه البرلمان الهروب من الشارع ورمي المسؤولية على الحكومة. وفي ظل هذا الانسداد، تستعر وتيرة العنف وتتزايد أعداد المتظاهرين، على الرغم من إبقاء فرض حظر التجوال في العديد من المناطق، ليرتفع مع ذلك عدد المقار الحزبية والحكومية والتابعة للمليشيات التي جرى إحراقها إلى نحو تسعين.

وحتى مساء أمس السبت، سجلت المستشفيات العراقية في بغداد وجنوب ووسط البلاد أكثر من 60 قتيلاً ونحو 2400 مصاب، سقطوا خلال التظاهرات في بغداد وذي قار والبصرة والديوانية وميسان وبابل وواسط ومدن وبلدات جنوبية أخرى، مع توقعات بارتفاع حصيلة الضحايا التي جاءت مفاجئة حتى لأقرب المقربين من الحكومة والمطلعين على كواليس الاجتماعات الأخيرة التي شددت على أهمية عدم تكرار خطأ فتح النار على المتظاهرين، كونه سيزيد من نقمة الشارع أكثر على الحكومة.

وسجلت سبع مدن جنوبية يومها الثاني من حظر التجوال، وسط تعطيل الدوام الرسمي في محافظة القادسية وعاصمتها المحلية الديوانية جنوبي البلاد، والتي شهدت إلى جانب جارتها مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان، أحداثاً دامية تسبّبت بمقتل نحو 20 متظاهراً وجرح المئات بعضهم قضى حرقاً وآخرين قتلوا على يد مليشيات تتبع "الحشد الشعبي" بعد محاولة المتظاهرين اقتحام مقراتهم في العمارة، وسط توتر كبير بين قبائل السواعد وتميم وربيعة والمياح وطي التي فقدت عدداً من أبنائها الذين قتلوا بنيران مليشيا "حركة الأوفياء" ومليشيا "العصائب" خلال محاولة اقتحام مقارهما. وردت أسر قتلى التظاهرات بقتل القيادي في مليشيا "العصائب" ومدير فرع المليشيا في المحافظة وسام العلياوي وشقيقه، وهو ما دفع الحكومة إلى زج مزيد من الجيش في المحافظة تخوفاً من اشتباكات.

في هذه الأثناء، حافظت بغداد على زخم المتظاهرين في ساحتي التحرير والطيران وقرب جسر الجمهورية المفضي إلى المنطقة الخضراء، على الرغم من استخدام الأمن العنف المفرط ضد المتظاهرين مرة أخرى، والذي تسبّب بمقتل متظاهر وجرح نحو 50 آخرين أمس السبت. كذلك ظهر قائد شرطة البصرة الفريق رشيد فيلح، المقرب من قيادات حزب "الدعوة" وزعيمه نوري المالكي، في شريط فيديو حصل "العربي الجديد" عليه، وهو يقول لضباطه عن المتظاهرين في البصرة "ساقطين سفلة ماخذين فلوس ورواتب من السعودية والإمارات والخليج ومن أعداء العراق ومن إسرائيل".

يحدث ذلك كله من دون أي ظهور لرئيس الحكومة عادل عبد المهدي، الذي اكتفى عشية بدء التظاهرات في الخامس والعشرين من الشهر الحالي بخطاب حمل سلسلة من الوعود "الإصلاحية". وعن سبب الصمت الغريب للحكومة في ظل تزايد أعداد الضحايا واتساع رقعة التظاهرات، قال مسؤول مقرب من عبد المهدي، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، إن رئيس الحكومة لا يملك المزيد من الوعود والقرارات ليقدمه، "فتركة 16 عاماً من الفساد والتخلّف الخدماتي لا يمكن أن تُصلح في شهرين أو ثلاثة"، مضيفاً "قدَّم (عبد المهدي) الوعود ويسعى لتنفيذها، لكن الشارع وصل إلى مرحلة اللاثقة بأي شيء يُعلن عنه، ما لم يلمسه بيده، وكل الكتل تسعى للقفز من المركب خوفاً على وضعها"، وفقاً لتعبيره.


في المقابل، فإن البرلمان لم ينجح أمس في عقد جلسة لمناقشة الوضع بعد الفشل في تأمين النصاب المطلوب، فيما أكدت تسريبات قاطعها "العربي الجديد" مع أكثر من مصدر في البرلمان، أن رئاسة البرلمان تبحث حالياً استجواب رئيس الوزراء في البرلمان في الجلسة المقبلة التي لم يُحدد تاريخها حتى الآن. وبحسب المصادر ذاتها، فإن "هيئة رئاسة البرلمان تبحث استجواب عبد المهدي، وسيتاح له الحديث بشكل شفاف عن مختلف الملفات"، وهو ما اعتُبر وفقاً للمصادر ذاتها محاولة من البرلمان للهروب أمام الشارع وتحويل أزمة الفشل المزمن في الدولة إلى الحكومة الحالية لمنع الذهاب إلى إجراء انتخابات مبكرة كما تُرفع الشعارات في الشوارع على يد المتظاهرين.

وأكد برلماني في تحالف "الفتح"، لـ"العربي الجديد"، أن مساعي بُذلت حتى مساء أمس السبت لعقد اجتماع بين رؤساء الكتل السياسية، لكنها فشلت بسبب رفض عدة كتل سياسية المشاركة بها ما لم يتم وقف القمع في الشارع، أبرزها "الحكمة" بزعامة عمار الحكيم، و"النصر" بزعامة حيدر العبادي، لافتاً إلى أن أي توافق على عودة جمع زعماء الكتل لاجتماع طارئ لم تتحقق، على الرغم من أن رئيس الوزراء طلب دعمه بشكل صريح لتجاوز الأزمة.

وحتى الآن، ووفقاً لوزارة الداخلية العراقية ومفوضية حقوق الإنسان، فقد ارتفع عدد المقرات الحزبية والحكومية وتلك التابعة لمليشيات مسلحة ومنازل السياسيين والمسؤولين المحليين التي جرى إحراقها على يد المتظاهرين إلى 88 مبنى، هي عبارة عن مقرات ومكاتب ومنازل في مدن جنوب العراق، لا سيما في ذي قار وميسان والديوانية.
في المقابل، أصدرت وزارة الداخلية العراقية بياناً أكدت فيه التزام قواتها بحماية المتظاهرين، مع أنهم تعرضوا إلى عدد كبير من الإصابات نتيجة "استغلال البعض للتظاهرات السلمية". بيان الداخلية أشار إلى أن "القوات لم تستخدم السلاح الناري أو القوة المفرطة تجاه المتظاهرين إطلاقاً... مع سقوط عدد من الشهداء والجرحى نتيجة صدامات مع حمايات المؤسسات ومقرات القوى السياسية بالتراشق مع المهاجمين الذين قاموا باقتحام وحرق مقرات تلك القوى".
إلا أن ناشطين ومحتجين من ساحة التحرير ببغداد أكدوا أن "القوات العراقية فتحت الرصاص الحي أكثر من مرة خلال اليومين الماضيين على المتظاهرين الذين حاولوا عبور جسر الجمهورية الرابط بين ساحة التحرير (مكان الاحتجاج) والمنطقة الخضراء (الحكومية)". كذلك شنّت القوات الأمنية حملة اعتقالات واسعة في صفوف المتظاهرين في البصرة أمس، وفق مراسل "العربي الجديد".

ولأن ميسان هي المدينة التي شهدت تظاهرات قُمعت بنيران متنوعة بين أمنية ومليشياوية، فما يزال الوضع فيها غير مستقر، ومع استمرار الإنذار الأمني وفرض حظر التجوال، إلا أن المتظاهرين لم ينسحبوا من بعض الساحات والشوارع في مركز المدينة. وفي السياق، قال المسؤول المحلي في المحافظة، سرحان الغالبي، لـ"العربي الجديد"، إن "القوات العراقية لم تعتد على أي متظاهر حتى الساعة الرابعة من مساء يوم الجمعة، لأن التظاهرات كانت سلمية، ولكن سرعان ما تبدلت الأمور وتحوّلت، وتم الاعتداء على المؤسسات الحكومة ومقرات الأحزاب، بالإضافة إلى وصول مسلحين من خارج المحافظة، ووقعت الاشتباكات"، موضحاً أن "التظاهرات في ميسان لم تعد سلمية وتحوّلت إلى عداوات بين جهات مشاركة في الحكومة وتصفية سياسية".

من جهته، اتهم عضو تحالف "الفتح" التابع لـ"الحشد الشعبي"، رزاق الحيدري، ما وصفها بـ"جهات سياسية بالاستيلاء على جهود الشباب العراقي الذي طمح لتغيير واقعه عبر التظاهرات السلمية"، قائلاً لـ"العربي الجديد" إن "الأسبوع الماضي شهد مخططات للاستفادة من التظاهرات وتصفية حسابات سياسية، وتحويل المعركة إلى الجنوب بين الفصائل المسلحة في ما بينها من جهة، والعشائر والقبائل من جهة أخرى". وعلى غرار باقي الساسة العراقيين الرافضين للتظاهرات، حذر بالقول "نحن أمام منزلق خطير وحرب أهلية في مناطق الوسط والجنوب، لأن التظاهرة لم تعد حضارية، وهناك تربّص من قبل جهات خارجية (رفض تسميتها) للدفع باتجاه العنف".

ولم تُصدر مرجعية النجف المتمثلة بالمرجع علي السيستاني أي تعليق حول موجة العنف الدامية في الجنوب وبغداد أمس، غير أن مقرباً من الحوزة الدينية في المدينة القديمة قال لـ"العربي الجديد" إن "المرجعية لن تصدر أي بيان يؤيد الحكومة الحالية أو يطلب من المتظاهرين العودة لمنازلهم وإيقاف التظاهرات"، موضحاً أن "المراجع الدينية في النجف عموماً تلمس الأذية التي طاولت الشارع العراقي، والمسؤولية على الحكومة والكتل السياسية لإحداث تغيير حقيقي وتجاوز الأزمة"، وفق قوله.

في السياق، قال قيادي في التيار الصدري، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، إن زعيم التيار مقتدى الصدر "يراقب بشكل دقيق ومستمر ما يجرى في ساحات الاحتجاج في بغداد وكافة المحافظات، وهناك شخصيات قيادية من التيار موجودة مع المتظاهرين لمراقبة ما يحصل ونقله بشكل مباشر إلى الصدر"، مضيفاً "خلال اليومين المقبلين ستكون له كلمة وموقف مما يجرى في ساحات الاحتجاج، لكن بصورة عامة هو داعم ومساند للتظاهرات، ويدعم الاعتصامات المفتوحة وقد تتحوّل التظاهرات لذلك إذا استمر قتل المتظاهرين وقمعهم، فوجودهم في مكان واحد معتصمين يكون أكثر أمناً لهم".

إلى ذلك، رأى الباحث والخبير العراقي هشام الهاشمي، في حديثٍ مع "العربي الجديد"، أن "الحكومة العراقية فشلت في احتواء المتظاهرين والتودد إليهم ومعالجة مشاكلهم عبر حلول سريعة وآنية، واكتفت بالمتابعة والتصريح بعد انتهاء المجازر، فبعد أن كان متوقعاً أن تجرى التظاهرات بلا عنف وقمع كما في السابق، حصل العكس"، معتبراً أن استمرار العنف تجاه المتظاهرين يُفقد العملية السياسية في العراق تأثيرها وقوتها السياسية وحتى مشروعيتها دولياً.
تعليق:

ذات صلة

الصورة
سياسة/كتائب حزب الله العراقية/(صباح عرار/فرانس برس)

سياسة

أكد مسؤول أمني عراقي، اليوم الثلاثاء، إجراء السلطات العراقية تغييرات جذرية على مستوى القادة وكبار الضباط على خلفية التدهور الأمني وتزايد حالات الاغتيال والخطف والجريمة المنظّمة، والتي كان آخرها مقتل الخبير الأمني هشام الهاشمي.
الصورة
يمتلك العراق أكثر من 22 منفذاً برياً حدودياً (Getty)

سياسة

تعتبر عملية استعادة الحكومة العراقية السيطرة على المنافذ البرية والبحرية من يد المليشيات أخطر ملف يواجه السلطة، إذ إن هذه المليشيات وقوى سياسية تستفيد من عشرات مليارات الدولارات التي تدرها عليها هذه المنافذ ولن تتخلى عنها بسهولة.
الصورة
العراق/حزب الله/فرانس برس

سياسة

كشف مسؤول عراقي بارز في بغداد لـ"العربي الجديد" عن ساعات ما قبل وما بعد عملية هجوم قوة عراقية خاصة على مقر مليشيا "كتائب حزب الله"، جنوبي بغداد،
الصورة
سياسة/كتائب حزب الله العراقية/(أحمد الربيع/فرانس برس)

أخبار

تمارس زعامات عراقية وقادة مليشيات ضغوطاً على الحكومة من أجل إطلاق سراح مجموعة "كتائب حزب الله" العراقية، الذين ألقي القبض عليهم في مقر للمليشيا ليل الخميس– الجمعة من قبل جهاز مكافحة الإرهاب، ووجدت في مقرهم ورشة لتصنيع الصواريخ ومنصات لإطلاقها.