اتفاق كيري لافروف حول سورية: تخلّ أميركي وملامح تقسيم

15 سبتمبر 2016
الصورة
الغموض طاغٍ على نص الاتفاق (جيم واتسون/ Getty)
+ الخط -

 

كان من اللافت في الأيام الأخيرة صدور كلام عن مسؤولين أميركيين كبار، حاليين وسابقين، حول مصير سورية. هؤلاء مشاركون أو مطلعون على صناعة القرار وأجوائه. أهمية هذا الكلام تتمثل بتزامنه مع ولادة تفاهم الوزيرين كيري – لافروف الأخير. والأهم تقاطعه، بالتصريح أو التلميح، عند رسم صورة قاتمة عن الآتي لسورية.

مدير وكالة الاستخبارات المركزية "CIA"، جون برانن، استبعد في حديث خلال اليوم الذي أعلن فيه عن التوصل إلى تفاهم روسي – أميركي، رجوع سورية إلى ما كانت عليه. "كثرة الدماء والخراب" تجعل في نظره، من الصعب تحقيق عودتها.

ويتوقع برانن أن "تنتهي الأمور إلى صيغة كونفدرالية تتكون من مناطق حكم ذاتي محلية قد تنضوي تحت ظلّ حكومة مركزية"، مشيراً إلى أن ذلك سيكون "إطاراً مماثلاً لما يتردد بين الحين والآخر، حول مستقبل الوضع العراقي بعد الخلاص من داعش".

المدير السابق للمؤسسة ذاتها، والجنرال المتقاعد مايكل هايدن، قال ما يصب في الوجهة ذاتها، معتبراً أن "سورية الموحدة صارت جزءاً من الماضي".

وعلى الرغم من أن الأخير محسوب على المحافظين، وقد يكون تقديره رغبوياً إلى حدّ ما، لكن الرجل من العارفين بوجهة التحولات التي تسير بها المنطقة، خصوصاً أن ما يراه يدعمه زميله، والذي ما زال في موقعه، والعامل حالياً في إدارة أوباما.

كلا الرجلين عضو في مجلس الأمن القومي الذي يجتمع في البيت الأبيض برئاسة الرئيس، لمناقشة قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية.

وفي كل الأحول، فإن هذا كلام متداول لدى أوساط ودوائر أخرى، تكرر من وقت لآخر تصريحات حول سورية المثلثة: العلوية والسنية والكردية. وثمة من هذه الجهات من يدعو أو يرتاح ضمناً لمثل هذا السيناريو.

في هذا السياق، جاءت ملاحظة الوزير كيري، في إطار تسويقه للتفاهم عندما قال إن الأخير "يشكل الفرصة الأخيرة لإنقاذ وحدة سورية".

كلمته هذه بدت وكأنها تلتقي ضمناً وبشكل غير مباشر مع توقعات مديري الـ"CIA" فالوزير يقول مداورة إن الإنقاذ بات معلقاً بشعرة. أو ربما هو يمهّد لمثل هذا المآل.

ذلك أنه إذا كان التعويل على مثل هذه الصيغة لرد سورية إلى حالها، فإن الحصيلة قد تكون أي شيء إلا الإنقاذ. فالتفاهم الذي دخل التطبيق أمس، مبهم وغير متوازن. وبدا وكأنه هندسة روسية بدمغة أميركية.

التباساته وتعويله على نوايا موسكو والرئيس السوري بشار الأسد وإيران وقبول واشنطن به باعتباره "أفضل" الموجود، جعله أقرب إلى اتفاق جرى تدبيجه "بالتلزيق" أكثر مما هو اتفاق متماسك معزز بآليات للمراقبة والمحاسبة، بما يجعله قابلاً للحياة والتطوير باتجاه مخرج للأزمة.

لذا يسود الاعتقاد في واشنطن بأن الاتفاق "هشّ"، و"مؤقت" و"مفخخ". فهو بالنهاية من نتاج الميدان الذي يتحكم به الطرف الروسي، وبالتالي هو يعكس هذا التحكم.

كيري، في تقديمه للصيغة، بعد أكثر من ساعتين على بدء وقف النار، في قاعة الصحافة بوزارة الخارجية، حاول جاهداً تسويقها على أنها ليست كذلك.

أيضاً، حاول الناطق الرسمي باسمه، رسم صورة تفيد بأن المشهد الحالي يختلف عن اتفاق إبريل/نيسان الماضي وسوابقه المعروفة نهاياتها. لكن المحاولة لم تنجح في إزالة الشكوك، بل عززتها.

فالغموض طاغٍ على النص، وعملية شرحه فاقمت الغموض والبلبلة، هذا على الرغم من أن وزارة الخارجية سارعت إلى الاستدراك في بيان ملحق لتوضح بأنه، خلافاً لما قالت، لا علاقة لواشنطن بالموافقة على المناطق التي يجوز للطيران السوري قصفها.

ثم تولى مسؤول، طلب عدم ذكر اسمه، تقديم المزيد من الشرح لهذا الجانب وغيره المتعلق بوضع قوات المعارضة من غير "فتح الشام" (النصرة سابقاً) وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وما يترتب عليها القيام به لجهة وجوب انفصالها وابتعادها عن مناطق التنظمين لئلا تستهدف من الطيران السوري.

كل هذه الشروحات لم تساعد في إزالة الشكوك، حيال الاتفاق، بل زادت الصورة ضبابية، فالزعم بأنه كان "أفضل" الموجود ينطوي على رسالة تخلٍ.

عشية مغادرة كيري إلى جنيف، زعمت واشنطن أن صبرها قد نفد وأن اللقاء مع وزير الخارجية الروسي، سرغي لافروف هو المحاولة الأخيرة للتوصل إلى مخرج ما في سورية.

في السابق كانت الإدارة تلوّح، قبل اللقاءات العديدة الفاشلة بين الوزيرين، بالخطة "ب" البديلة لو تعذر التوصل إلى صيغة مقبولة مع الروس. هذه المرة لم تأت على ذكر هذه الورقة المزعومة، بالرغم من "نفاد الصبر".

في الواقع، هي ليس لديها خطة بديلة أصلاً، اخترعتها للتهويل، وغابت في النسيان. موسكو لديها البديل الفعلي، هي صاحبة المبادرة في سورية، هذا واقع مسلّم به في واشنطن.

وما جرى في جنيف هو تدوير زوايا لمثل هذه المبادرة الملئية بالألغام. وتناقضات المسؤولين في واشنطن تزيد من التخوف. بايدن في زيارته الأخير لتركيا يشدد على وحدة سورية، برانن العارف بخفايا الأمور يتكهن، مع زميله هايدن، بنوع من التقسيم، وكيري يلمّح إلى احتمال انفراط هذا البلد.

والسؤال: هل ما يجري هو بداية استبدال سايكس بيكو، البريطاني - الفرنسي، بالثنائي كيري - لافروف؟

المساهمون