اتفاق جوبا للسلام في السُّودان .. تحدّياته وفرص نجاحه

10 سبتمبر 2020
الصورة

سلفاكير يرفع وثيقة اتفاقية جوبا بعد مراسيم توقيعها (31/8/2020/فرانس برس)

+ الخط -

بعد أشهر من المفاوضات الصعبة بين ممثلي الحكومة الانتقالية في الخرطوم والجبهة الثورية، وهي تحالف عريض يضم عددًا من القوى السياسية والفصائل المسلحة، تم توقيع اتفاقية في 31 آب/ أغسطس 2020، في مدينة جوبا، عاصمة دولة جنوب السُّودان، تناولت قضايا قومية، تخص السودان ككل، واتفاقيات تخص أقاليم بعينها. ونظرًا إلى تعدّد الحركات الموقعة على الاتفاقية واختلاف أجندتها السياسية ومطالبها الجهوية، اتفقت الأطراف على إنشاء خمسة مسارات جهوية للتفاوض المنفرد، مراعاةً لخصوصية كل مسار ومشكلاته. وتشمل المسارات الخمسة مسار دارفور (حركة العدل والمساواة، وجيش تحرير السُّودان، وتحرير السُّودان - المجلس الانتقالي، وتجمع قوى تحرير السُّودان)، ومسار الشرق (مؤتمر البجة المعارض)، ومسار الشمال (كيان الشمال وحركة تحرير كوش السُّودانية)، ومسار الوسط (الحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض)، ومسار النيل الأزرق وجنوب كردفان (الحركة الشعبية لتحرير السُّودان - شمال). 

اتفاقية القضايا القومية واتفاقيات المسارات الجهوية

مثلت القضايا القومية التحدّي الأكثر صعوبة في المفاوضات؛ لأنها تناولت المبادئ العامة المرتبطة بشكل الدولة ودور السلطات الثلاث، وقضايا المواطنة وتقاسم السلطة والثروة، وإدارة التنوع بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، ومبادئ العدالة الانتقالية القائمة على محاسبة مرتكبي الجرائم، وتعويض الضحايا، وتحقيق المصالحة الوطنية. بناءً عليه، اشتملت اتفاقية القضايا القومية على 30 مادة، استندت إليها اتفاقيات المسارات الفرعية. ومن أهم المواد التي جاءت في اتفاقية القضايا القومية، المادة (2) التي نصَّت على فترة انتقالية، تكون مدتها 39 شهرًا، "يبدأ سريانها من تاريخ التوقيع على اتفاق السلام". وبموجب هذه المادة، سوف يتم تعديل الوثيقة الدستورية، وتمديد الفترة الانتقالية التي تم التوصل إلى اتفاقٍ بشأنها بين الجيش والقوى السياسية في آب/ أغسطس 2020. واستثنت المادة (3) ممثلي الأطراف الموقعة على اتفاقية القضايا القومية من نص المادة (20) من الوثيقة الدستورية، والذي يسقط حق أعضاء مجلس السيادة والوزراء في الفترة الانتقالية من الترشّح في الانتخابات العامة التي يتم إجراؤها في نهاية الفترة الانتقالية. ويعطي هذا الاستثناء شاغلي المناصب الدستورية المشار إليها في الفترة الانتقالية حق الترشح في الانتخابات العامة، بشرط "أن يقدّموا استقالاتهم قبل ستة أشهر من نهاية الفترة الانتقالية المتفق عليها، ولتنظيماتهم الحق في اختيار من يخلفهم في تلك المواقع". كما اقتضت المواد (4) و(5) و(6) إجراء التعديلات التالية على الوثيقة الدستورية: أولًا، تمثيل الأطراف الموقعة على اتفاقية جوبا بثلاثة أعضاء إضافيين في مجلس السيادة؛ وتمثليهم في مجلس الوزراء بخمس وزرات، وفقًا للإجراءات المعمول بها في الوثيقة الدستورية، أي ما يعادل 25% من أعضاء مجلس الوزراء؛ وتمثلهم في المجلس التشريعي بنسبة 25%، أي أن يحصلوا على 75 مقعدًا من مقاعد المجلس المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية بـ 300 مقعد. وعلى مستوى الحكم الولائي (الولايات)، نصت الاتفاقية على تخصيص 10% من الوظائف القيادية العليا لممثلي أطراف الاتفاقية في الولايات التالية: الشمالية، ونهر النيل، وسنار، والجزيرة، والنيل الأبيض، وشمال كردفان، وغرب كردفان. أما بقية المواد الخاصة باتفاقية القضايا القومية فقد تناولت القضايا الإجرائية المتعلقة بإنفاذ العدالة الانتقالية، والتعداد السكاني، والإعداد للانتخابات العامة، وتشكيل المفوضيات المتخصصة، وانعقاد مؤتمر نظام الحكم، والمؤتمر الدستوري وكتابة الدستور، ووضع آليات مراقبة الاتفاقية وتنفيذها على أرض الواقع.  

مثلت القضايا القومية التحدّي الأكثر صعوبة في المفاوضات؛ لأنها تناولت المبادئ العامة المرتبطة بشكل الدولة ودور السلطات الثلاث، وقضايا المواطنة وتقاسم السلطة والثروة، وإدارة التنوع

أما اتفاقيات المسارات الفرعية، فقد كانت اتفاقية مسار دارفور أكثرها تعقيدًا؛ لأنها قامت على ثمانية بروتوكولات شائكة ومتشعبة، تشمل تقاسم السلطة والثروة، وحيازات الأرض والحواكير، والعدالة الانتقالية، والتعويضات وجبر الضرر، وتنمية قطاع الرُحَّل والرعاة، والنازحين واللاجئين، والترتيبات الأمنية الخاصة باستيعاب قوات الحركات المسلحة في أجهزة الدولة. وفيما يتعلق بإدارة إقليم دارفور، استند بروتوكول تقاسم السلطة إلى المادة (10/2) من اتفاق القضايا القومية، والتي نصت على إعادة نظام الأقاليم القديم خلال ستين يومًا من تاريخ التوقيع النهائي على اتفاقات جوبا. وتقضي الإعادة بتوحيد ولايات دارفور الخمس في إقليم واحد في ظل نظام حكم فيدرالي. ويكون تمثيل الأطراف المكونة لمسار دارفور في إدارة الإقليم 40%، وتمثيل الحكومة الانتقالية 30%، والحركات الموقعة الأخرى 10%، وأصحاب المصالح المحلية 20%. ونص برتوكول تقاسم الثروة على تطوير قطاع الرُحَّل وتنميته من خلال فتح المسارات التي تضمن سلامة حركة الرعاة وفض النزاعات التي تحدث بينهم والمزارعين، وتوفير الخدمات اللازمة للقطاعين، وتشجيع الصناعات التحويلية لمنتجات الثروة الحيوانية والزراعية وربطها بالأسواق الاستهلاكية في داخل السُّودان وخارجه. ولضمان سلامة التنفيذ، اتفق الطرفان على إنشاء مفوضية تنمية قطاع الرُحَّل والرعاة خلال 60 يومًا من تاريخ التوقيع على الاتفاقية النهائية، وعلى أن تعمل هذه المفوضية في تناغمٍ تامٍ مع السلطات المحلية والإدارات الأهلية؛ لتنظيم حركة الرُحَّل وتنظيم العلاقات التي تجمع بينهم والمزارعين. 

اتفق الطرفان على استنفار الدعم المحلي والإقليمي والدولي اللازم لإعادة بناء ما دمّرته الحرب، وتأهيل البنية التحتية...

كما اتفق الطرفان (حكومة السُّودان الانتقالية وأطراف مسار دارفور) على استنفار الدعم المحلي والإقليمي والدولي اللازم لإعادة بناء ما دمّرته الحرب، وتأهيل البنية التحتية، وتنفيذ برامج إعادة الإعمار والتنمية الذي نصت الاتفاقية عليها. وإلى جانب قضايا الرعاة والرُحَّل، أوصى بروتوكول الأرض والحواكير (الحيازات التقليدية) بضرورة إعادة ترسيم الحدود الإدارية داخل الإقليم، وتحديث قانون تسجيل الأراضي وحيازتها، وإنشاء مفوّضية للنظر في دعاوى استرداد الأراضي التي تمَّ انتزاعها من مالكيها عن طريق سلطات النظام السابق، أو تمَّ الاستيلاء عليها نتيجة للحروب الأهلية التي شهدها الإقليم. وارتبطت أيضًا اتفاقية مسار دارفور بقضايا العدالة الانتقالية، المتمثلة في تسهيل عملية العودة الطوعية للنازحين الذي هُجّروا من ديارهم في أثناء فترة الحروب الأهلية، أو اللاجئين الذين استقرّوا في بعض الدول المجاورة، وجبر الأضرار التي لحقت بهم، بما في ذلك استرداد الأراضي التي سلبت أو صودرت منهم، وتعويضهم ماديًا عن ممتلكاتهم المنقولة والثابتة، وتوفير الرعاية الصحية والنفسية للمتضررين الذين يعانون آثار التهجير واللجوء. أما برتوكول الترتيبات الأمنية فقد نصَّ على ضرورة إعادة هيكلة القوات المسلحة وقوات الكفاح المسلحة في جيش مهني واحد، يؤسس على عقيدة جديدة، تهدف إلى حماية الوطن، والمواطنين، والدستور. كما أقرَّ البرتوكول إنشاء قوات مشتركة باسم "القوى الوطنية لاستدامة السلام في دارفور"، تتشكل من القوات المسلحة (الجيش)، والشرطة والدعم السريع، وحركات الكفاح المسلحة. وشدد البرتوكول أيضًا على الترتيبات الأمنية الخاصة بمعاملة "شهداء" الحركات المسلحة، خلال فترة الحرب في دارفور، حسب قوانين ونظم القوات المسلحة السُّودانية من حيث التعويضات المادية والرعاية الصحية؛ كما نصَّ على تشكيل لجنة خاصة؛ للإشراف على ملف أسرى الحركات المسلحة ومفقوديها، ومعالجة مشكلاتهم وقضاياهم حسب اللوائح والنظم القانونية المعمول بها. 

التحدّيات والآفاق

من أهم التحدّيات التي تواجه اتفاقات القضايا القومية والمسارات الجهوية التي تمَّ التوقيع عليها بالأحرف الأولى في جوبا، أنها لم تشمل كل حركات الكفاح المسلحة، وأهمها الحركة الشعبية لتحرير السُّودان/ شمال جناح عبد العزيز آدم الحلو، وحركة تحرير السُّودان جناح عبد الواحد محمد نور. وكانت حركة الحلو جزءًا من مفاوضات جوبا، لكنها انسحبت منها في 20 آب/ أغسطس 2020، احتجاجًا على رئاسة محمد حمدان دقلو (حميدتي) لوفد التفاوض الحكومي. وقد برّرت الحركة موقفها بأن قوات الدعم السريع معادية للسلام ومهدّدة لأمن المواطنين العزّل، لذلك لا يجوز أن يكون قائدها الأعلى رئيسًا لفريق الحكومة الانتقالية المفاوض في جوبا. وإلى جانب ذلك، طالب الحلو المفاوضين باتخاذ موقف واضح من قضية فصل الدين عن الدولة، باعتبارها ركنًا رئيسًا في مشروع السلام العادل والدائم. وقد حاولت الحكومة الانتقالية التغلب على هذه العقبة، حيث التقى رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، بعبد العزيز الحلو في أديس أبابا، ووقع الطرفان بيانًا مشتركًا في 4 أيلول/ سبتمبر 2020، نصّ على ضرورة استمرار منبر جوبا للتفاوض برعاية دولة جنوب السُّودان، وإقامة ورش تفاوض مشتركة وغير رسمية تناقش إشكالية العلاقة بين الدين والدولة وحق تقرير المصير قبل استئناف المفاوضات الرسمية بين الطرفين. وتراهن الحكومة بأنها إذا أقنعت الحلو بالعودة إلى مائدة المفاوضات، فإن ذلك قد يحفِّز عبد الواحد محمد نور على فعل الشيء نفسه. 

 رحب الصادق المهدي، بالاتفاقيات، ووصفها بأنها "خطوة في طريق السلام"، وإن كان لديه "22 ملاحظة عليها!

أما في العاصمة الخرطوم، فقد تباينت الآراء أيضًا حول اتفاقات جوبا التي شجعت على ظهور مناخات لإنشاء تحالفاتٍ جديدة، أو إعادة ترتيب موازين القوى بين التيارات المكونة لقوى إعلان الحرية والتغيير، وكذلك داخل المجلس السيادي. وبانضمام ثلاثة أعضاء جدد من قيادات الحركات المسلحة إلى المجلس السيادي، فإن ذلك سوف يعزّز وضع العسكريين، ويخلّ بصيغة التوازن بينهم وبين المدنيين بموجب الوثيقة الدستورية. 

نقلة مهمة في المشهد السياسي السوداني، وسوف تسهم في إيجاد مناخ جديد للحراك السياسي

وعلى صعيد المواقف، فقد رحب الصادق المهدي، بالاتفاقيات، ووصفها بأنها "خطوة في طريق السلام"، وإن كان لديه "22 ملاحظة عليها، وذلك بغرض التجويد لمصلحة السلام المستدام، وليس من باب المعارضة". ويبدو أنَّ موقف المهدي يفرضه عليه موقعه رئيسًا لتحالف نداء السُّودان، الذي تمثل الجبهة الثورية أحد أركانه الأساسية. ويرى المهدي أن عودة الجبهة الثورية إلى الواجهة يسهم في توسيع دائرة المشاركة السياسية. أما الحزب الشيوعي السُّوداني فقد عارض الاتفاقيات، من حيث النهج الذي اُتّبع في إجراء المفاوضات، ومن حيث المخرجات التي تتناقض في رأيه مع الواقع السياسي الذي أسست له الوثيقة الدستورية. ويرى أن النهج التفاوضي القائم على المسارات الجهوية كان خاطئًا؛ لأنه جزّأ معالجة جذور أزمة الدولة السُّودانية وإفرازاتها الجهوية، وأفضى إلى اتفاقياتٍ متعجلةٍ لا تفي باستحقاقات السلام العادل والدائم. كما أن الاتفاقيات، حسب وجهة نظر الحزب الشيوعي، قد أوجدت نوعًا من التناقضات مع الوثيقة الدستورية، لأنها أبدلت "الحاضنة السياسية للنظام القائم في البلاد بحاضنة جديدة، قوامها أطراف الاتفاق، وإبعاد القوى التي قادت ومثلت الشارع في حراك ديسمبر". والإشارة هنا إلى قوى إعلان الحرية والتغيير التي كان دورها هامشيًا في مفاوضات جوبا. وفضلًا عن ذلك، أعطت الاتفاقيات نفسها المرجعية في حل القضايا الخلافية، على حساب الوثيقة الدستورية. ويبدو أن الحزب الشيوعي يتشارك أيضًا مع الجبهة الشعبية، جناح الشمال، في التشكيك بدور حميدتي، ويتخوف من تحجيم دور قوى إعلان الحرية والتغيير بعد عودة الجبهة الثورية. وتعد هذه من القضايا التي تقلق الحزب الشيوعي، علمًا أن تشكيل المجلس التشريعي، بحسب النسب المقترحة، سيرجِّح كفَّة قوى نداء السُّودان. 

خاتمة

تعد اتفاقية القضايا القومية واتفاقيات المسارات التي تمَّ التوقيع عليها بالأحرف الأولى في جوبا نقلة مهمة في المشهد السياسي السوداني، وسوف تسهم في إيجاد مناخ جديد للحراك السياسي، بإشراك عدد أكبر من القوى السياسية، ما يحصّن العملية الانتقالية إلى الديمقراطية ويعقدها في الوقت ذاته، فصحيح أن الإنتقال الديمقراطي ليس ممكنًا بإقصاء قوى سياسية رئيسة، لكن السؤال هو هل تلتزم به جميع القوى السياسية، والأهم من ذلك هل يلتزم به الجيش والقوى الأمنية الأخرى؟