اتفاق إدلب في حساب قانون قيصر

17 يوليو 2020
الصورة

طفلة سورية من إحدى آلاف الأسر النازحة من إدلب في مخيم للاجئين (19/6/2020/الأناضول)

جاء اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب بين روسيا وتركيا، مطلع مارس/ آذار الماضي، ليشكل انعطافة مهمةً في مسار المسألة السورية، ذلك أنه لاحت لأول مرة منذ عام 2011 بارقة أمل لحل سياسي. وشكل صمود وقف النار إنجازا سمح بوقف عمليات القتل والتدمير والتهجير القسري التي مارستها روسيا وإيران والنظام السوري. وكانت حصيلة الأعوام الثلاثة الأخيرة كارثيةً على هذا الصعيد، واستقبلت إدلب نحو ثلاثة ملايين مهجّر، أكثر من مليون منهم يعيشون في مخيماتٍ عشوائية على الحدود السورية التركية، ويعتمدون في قوتهم على المساعدات الإنسانية التي ظلت تتراجع حتى باتت تشبه الرمق الأخير، بسبب فيروس كورونا وسياسات روسيا والصين للتضييق على دخول المساعدات من خلال المعابر الحدودية. ومارست موسكو وبكين لعبة التعطيل، من خلال مجلس الأمن، حتى بات وصول المساعدات محصورا بمعبر باب الهوى مع تركيا، بعد أن كان يتم من خلال أربعة معابر.

بقي وقف النار صامدا في المحصلة العامة، تشوبه بعض الخروقات من النظام والمليشيات الإيرانية والقوات الروسية. وفي أحيانٍ أخرى، تعرّض لعمليات تخريب من بعض المنظمات المتطرّفة الموجودة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة. وحصلت عدة مظاهرات وأعمال مسلحة، هدفها تعطيل الدوريات المشتركة التركية الروسية على طريق أم 4 الذي يربط حلب باللاذقية، ويمتد من مدينة حلب نحو الرقّة والحسكة، حتى يصل إلى الحدود السورية العراقية، وهو يشكل شريانا هاما لمرور جزء هام من منتجات المنطقة الشرقية من نفط وقمح وقطن باتجاه الساحل، ما يشكّل أهم عائد اقتصادي على النظام وروسيا في هذه الفترة، خصوصا بعد تطبيق قانون قيصر الذي فرض عقوباتٍ اقتصادية صارمة على النظام وداعميه.

جرى تسجيل عمليات عرقلة تنفيذ الدوريات المشتركة على المنظمات المتطرّفة، وتم اعتبار ذلك في إطار توجهات لتعطيل الاتفاق الذي يصبّ ضد مصلحة هذه التنظيمات التي يتعارض وجودها مع التهدئة والاستقرار في عموم سورية، وليس في محافظة إدلب فقط. ولكن المصلحة في تعطيل الاتفاق، وإبقاء حال اللاحرب واللاسلم، أمر لا يقتصر على المتطرّفين، بل يناسب كلا من النظام وروسيا وإيران. وهناك عدة أسباب لذلك، أكثرها أهميةً أن تطبيق البند الأول من وقف النار بصورة تامة يفتح الطريق حكما نحو البنديْن الثاني والثالث، واللذين ينصّان، على التوالي، على عودة المهجّرين قسرا إلى ديارهم، وبدء العملية السياسية من خلال تفعيل اللجنة الدستورية التي أخفقت في اجتماعها الأول في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بسبب رفض النظام جدول الأعمال. وما كان للوفد الرسمي أن يقوم بهذه المناورة، لو لم يحصل على الضوء الأخضر من موسكو أولا، فهي التي تستطيع أن تعطي الإشارة للذهاب إلى الأمام، أو المراوحة في المكان نفسه، ولا يخفى على أحدٍ أن روسيا لن تسهل عملية الحل السياسي في سورية، ما لم تحصل مقابل ذلك على تعهدات غربيةٍ جادّة في ما يتعلق بإعادة الإعمار التي صارت معلقةً إلى أجل غير منظور، بعد دخول قانون قيصر حيز التطبيق قبل حوالي شهر. وكان واضحا خلال القمة الثلاثية التي جمعت، مطلع شهر يوليو/ تموز الحالي بين قادة تركيا وروسيا وإيران، أنه لا سبيل للمضي بعملية أستانة التي تشكل آلية للحل في سورية بين الدول الثلاث، وذلك بسبب قانون قيصر الذي يهدف، حسب قرار الولايات المتحدة، إلى منع روسيا من الاستثمار السياسي لما حققته عسكريا في سورية، منذ تدخلها لنجدة النظام في سبتمبر/ أيلول 2015. وفي الختام، يصعب الرهان على تقدّم فعلي لوقف النار، ما لم يحصل العكس، ويعود الموقف إلى المربع الأول.