اتفاق إدلب: "فصائل القاعدة" ترفضه ونية روسية بالانقلاب عليه

21 سبتمبر 2018
الصورة
تسعى الأمم المتحدة لضمان حقن الدماء(عمر حاج قدّور/فرانس برس)
بعد الإعلان عن اتفاق سوتشي بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين بشأن إدلب، يوم الاثنين الماضي، ثارت التساؤلات حول مدى قدرة تركيا على الالتزام بتعهّدها بموجب هذا الاتفاق، الذي يتضمن بشكل أساسي إقامة منطقة عازلة خالية من السلاح الثقيل ومن "المتطرفين" بعمق بين 15 و20 كيلومتراً حتى منتصف الشهر المقبل. ومبعث هذه المخاوف هو إعلان بعض الفصائل المتطرفة المحسوبة على "فكر" تنظيم "القاعدة" الموجودة في المنطقة المقرر نزع سلاحها الثقيل رفضها الاتفاق، ما يعني أن أمام تركيا مهمة صعبة تتمثل في إقناعها بالانسحاب. وهي مهمة فشلت فيما يشبهها خلال الفترات الماضية، أو مواجهتها بالقوة العسكرية. في المقابل، أبلغت روسيا وتركيا في الاجتماع الأسبوعي لقوة العمل الإنسانية بسورية التابعة للأمم المتحدة في جنيف، أمس الخميس، أنهما "لا تزالان تعملان على تفاصيل خطتهما لتلافي هجوم كبير في محافظة إدلب لكن يحدوهما التفاؤل". وقال مستشار الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، يان إيغلاند، للصحافيين "دعونا روسيا وتركيا لتفسرا لنا فحوى الاتفاق، والرسالة الأساسية التي وصلتنا هي (نحن متفائلون للغاية بقدرتنا على تحقيق الأمر لتفادي سفك الدماء والحرب الكبرى)". وأضاف "نأمل أن تتجنب مناطق كثيرة الحرب، لكن قد يندلع مزيد من القتال بين جماعات المعارضة المسلحة".

لكن للخارجية الروسية رأياً، فقد استعادت نغمة "الأسلحة الكيميائية"، كما حصل سابقاً، وأعلنت أن "هناك معلومات بتزويد جبهة النصرة للتشكيلات المسلّحة في سورية بالأسلحة الكيميائية، بما فيها غاز السارين"، مضيفة أن "التهديدات الأميركية بعملية عسكرية واسعة في سورية تعيق المصالحة في البلاد". في أول موقف روسي حول الأسلحة الكيميائية بعد اللقاء الثنائي بين أردوغان وبوتين.

في إدلب، ذكر بيان نشرته أمس وكالة "إباء" التابعة لـ"هيئة تحرير الشام" (تُشكّل جبهة النصرة عمودها الفقري)، فيما يشبه الرفض الضمني للاتفاق، بأنه "يصبّ في مصلحة النظام السوري، ويقضي بنزع سلاح المجاهدين بدعوى منطقة منزوعة السلاح". وأضافت الوكالة أن "الروس عمدوا إلى هذه الحيلة الماكرة لمعرفتهم بعدم القدرة على اجتياح الشمال المحرر"، معتبرة أن "الاتفاق ليس نهائياً، وسيعمدون إلى شن عملية عسكرية بعد تسليم السلاح الثقيل". واستشهدت الوكالة بفتاوى بعض المشايخ بأن "تسليم السلاح محرّم شرعاً".

وكان قياديون في "هيئة تحرير الشام" قد رفضوا بنود الاتفاق الروسي - التركي، وبينهم الشرعي أبو اليقظان المصري والشرعي المصري أبو الفتح الفرغلي، إلى جانب القيادي العراقي أبو مارية القحطاني، ورئيس المكتب السياسي السابق للهيئة المعروف باسم زيد العطار.

وقال أبو الفتح الفرغلي، عبر "تلغرام"، إن "من يطلب تسليم سلاحه أياً كان فهو عدو لا مراء فيه، فالتفريط في هذا السلاح خيانة للدين ولإعلاء كلمة الله ولدماء الشهداء التي بذلت لتحصيله". وقال العطار إن "أهم أوراق القوة في إدلب هي السلاح"، مضيفاً عبر "تلغرام" أن "سلاحنا هو عزنا ورفعتنا وصمام أمان هذا الجهاد المبارك، بل هو الضامن الوحيد لتحقيق أهداف الثورة بنيل الحرية والكرامة، فعدونا لا يعرف سوى لغة القوة".



وسبق للهيئة أن رفضت، طوال الأشهر الماضية، الاستجابة للجهود التركية بحل نفسها أو الاندماج مع بقية فصائل إدلب، وهو موقف عبّر عنه قادة مهاجرون ومصنفون ضمن التيار المتشدد، وسط حديث عن انقسام داخلي بين تيار يريد إنهاء العزلة الدولية، وآخر يريد قتال تركيا والفصائل التي تدعمها.

وكانت مصادر من داخل إدلب قد تحدثت عن رفض فصائل جهادية عدة الاتفاق التركي – الروسي، ومنها "حراس الدين" و"أنصار التوحيد" و"أنصار الدين" و"أنصار الله" و"تجمع الفرقان" و"جند القوقاز"، بالإضافة إلى فصائل عاملة ضمن "هيئة تحرير الشام". وقد رفضت هذه الفصائل الانسحاب من خطوط التماس مع قوات النظام الممتدة من جسر الشغور إلى ريف إدلب الشرقي مروراً بريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي الشرقي، وأبدت استعدادها لمجابهة أي طرف يسعى لسحب سلاحها وإجبارها على الانسحاب.

وحول حجم انتشار هذه الفصائل في المنطقة منزوعة السلاح المزمع إقامتها، ذكرت مصادر من داخل إدلب لـ"العربي الجديد" أن "مناطق تركمان كباني، والسرمانية، وقسطون، تقع تحت سيطرة هيئة تحرير الشام وحراس الدين. أما مناطق قلعة المضيق كفر زيتا، وكفر نبوده، واللطامنة، ومورك، وسكيك، والتمانعة، فهي تقع تحت سيطرة الفصائل المنضوية ضمن (الجبهة الوطنية للتحرير) و(جيش العزة) التابع للجيش الحر. وتقع منطقتا تل طوقان ورسم الصهريج تحت سيطرة هيئة تحرير الشام. وفي ريف حلب، تقع مناطق عندان، وكفر عقيل، وجبل الحمرة، والمنصورة، والراشدين، وزيتان تحت سيطرة جبهة تحرير سورية". وأوضحت المصادر أن "جماعة حراس الدين موجودة أساساً في منطقة الساحل. وكان لها حضور في مناطق الريف الشرقي، مثل الرهجان وأبو الظهور قبل أن يسيطر عليها النظام".

أما بالنسبة لانتشار الفصائل في عموم محافظة إدلب، فتسيطر "هيئة تحرير الشام" على الدانا، وسرمدا، ودركوش، وسلقين، وحارم، وإدلب المدينة، والأربعين، والغاب، وتلمنس، وتلحديا، وسرمين، ومنطقة الإيكاردا شمال مدينة سراقب. أما مناطق سيطرة الحزب التركستاني، فهي منطقة الغسانية بريف إدلب الغربي، وريف جسر الشغور الغربي كله. أما "حراس الدين" فليس لديهم أماكن سيطرة محددة، لكنهم موجودون في بلدة أفس شرق إدلب وفي ريف حماة الشمالي. أما "الجبهة الوطنية للتحرير"، فتبدأ مناطق سيطرتها من بلدة كفرناها في ريف حلب الغربي إلى أورم الكبرى، وسراقب، وبنش، وأريحا، ومرديخ، ومعرشورين، وجرجناز، والتمانعة، والخوين، والقسم الأكبر من جبل الزاوية كمعربليت، وسرجة كفرنبل وحزارين وكفر روما، ومعرة النعمان، وحيش، وكامل ريف أبو الظهور الغربي، والغاب، والعميقة. أما جيش الأحرار فهو موجود في مدينة تفتناز.
وقد رحّب فصيل "جيش العزة" العامل في ريف حماة الشمالي بالاتفاق التركي - الروسي. وقدّم قائد الفصيل، جميل الصالح، أمس الخميس، في تغريدة له عبر "تويتر"، الشكر لتركيا التي "منعت الطيران والراجمات من استهداف أهلنا المدنيين".

من جهته، قال رئيس الوفد العسكري إلى مفاوضات أستانة، العقيد فاتح حسون، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إن "هناك من لا يرغب في تطبيقه من الفصائل الموجودة في المنطقة منزوعة السلاح. ومن هذه الفصائل تيارات تتبع لهيئة تحرير الشام وللحزب الإسلامي التركستاني ولحراس الدين، وتحرّض باقي الفصائل على عدم تسليم السلاح الثقيل". ورأى أن "دافعهم لذلك أنهم غير منخرطين في العملية السياسية، ويرون أن هذا الاتفاق سيجعلهم يفقدون جزءاً من قدراتهم العسكرية، ويتخوّفون من أنهم قد يكونون هم المستهدفون في المرحلة التالية".



وقدّر حسون مجموع مقاتلي هذه التنظيمات الرافضة للاتفاق بنحو ثلاثة آلاف مقاتل، وقد يحاولون إعاقة الاتفاق، و"لكنهم لا يستطيعون إلغاءه، بسبب موافقة الغالبية الساحقة من المدنيين والفصائل ومؤسسات الثورة والمجتمع الدولي عليه، وتجرى اجتماعات ومداولات لتذليل ذلك". وحول العقبات التي قد تثيرها القوى الرافضة للاتفاق، قال إنه "حتى الآن لا يوجد موقف رسمي من هذه المجموعات، ولذلك لا يمكن الحديث عن آلية التعاطي معها قبل الإعلان عن موقف رسمي".

من جهته، قال قائد "لواء المعتصم"، المنضوي ضمن فصائل درع الفرات المدعومة تركياً، مصطفى سيجري، إنه "حتى الآن لا توجد أي خطوات عملية لتطبيق الاتفاق الروسي – التركي"، مؤكداً في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أن "فصائل المعارضة سيكون لها دور في تطبيق الاتفاق".

وهذا ما ذهب إليه أيضاً المحلل التركي أوكتاي يلماظ، في حديثه مع "العربي الجديد"، إذ أوضح أن "المنطقة العازلة ستكون من طرفي النظام والمعارضة مناصفة"، مضيفاً أن "الاتفاق أنقذ إدلب من المجازر، وجنّب المعارضة حرباً شرسة، كما خيّب جهود النظام لفرض الحل العسكري وأمّن للروس حماية مناطقهم".

وحول خطة تركيا لتطبيق الاتفاق، قال يلماظ إن "التطبيق لن يكون سهلاً، نظراً لوجود هيئة تحرير الشام، التي لن تتخلى بسهولة عن مناطقها، لكن تركيا تعزز نقاطها العسكرية وستعمل مع أهالي المنطقة وفصائلها المعتدلة للضغط على الهيئة وفي آخر خيار، ربما يتم استخدام القوة عبر فصائل المعارضة للانسحاب من الشريط الأمني المحدد".

وعما إذا كانت التعهّدات التركية تتضمن إبعاد الفصائل عن المنطقة منزوعة السلاح فقط، أم تشمل حلّ "هيئة تحرير الشام" والتنظيمات المتطرفة أيضاً، قال يلماظ إن "حلّ التنظيمات المتطرفة ليست مهمة تركيا لوحدها، بل مسؤولية جميع الأطراف".

في غضون ذلك، ذكرت مصادر محلية أن "قوات النظام السوري سحبت آليات ثقيلة من مواقعها من ريفي حماة الشمالي والشرقي، من دون معرفة الأسباب". وأوضحت المصادر أنه "تمّ سحب الدبابات والأسلحة الثقيلة باتجاه مطار حماة العسكري، حيث من المرجح أن يكون ذلك ضمن الاتفاق التركي ـ الروسي لإنشاء منطقة منزوعة السلاح". ويعتبر معسكر "قصر معروف" قرب مدينة محردة من أكبر المعسكرات التابعة للنظام في ريف حماة الغربي، ومن المفترض أن يكون قد أُخلي أيضاً.