اتعب معايا شوية!

04 مايو 2020
مضطر لأن أقول لك كل سنة وإنت طيب مع أنني أعلم أنك قد لا تكون كذلك. ولذلك اسمح لي أن أحاول جعلك تشعر قليلاً أنك طيب. تعال لا تخف فالأمر سهل، حاول فقط أن تنسى هذا النهار الحار وتنسى إحساسك بالجوع لأنك لم تلحق السحور، أو إحساسك بالانتفاخ لأن السحور كان رديئاً، أو إحساسك بالعطش لأنك "دبّيتها" جامد، انسى كل هذا وركز معي ولن تندم.

هاه. جاهز؟ طيب يا الله. أريدك أن تتخيل أنك جالس الآن أمامك صينية مكرونة بالبشاميل طالعة حالاً وتواً من الفرن وجهها "واخد لون غامق" وحوافّها مقرمشة، وإلى جوارها طبق بفتيك معمول بضمير، يصاحبه على الترابيزة طبق سلطة حافل بما لذ وطاب من الخضراوات غير المرشوشة إلا بزيت الزيتون والخل والليمون، ثم هناك أيضاً طبق ليمون معصفر معمول وصاية من عند طرشجي في الدراسة، وقبل كل هذا سلطانية شوربة لسان عصفور، يصاحبها من باب الوجاهة الإجتماعية طبق بامية مزدان باللحمة الضاني وطبق ملوخية، إلى جوارها مجموعة من أرغفة العيش الوصاية الجاهزة لتقطيعها إلى ستين "وِدنة" والمتلهفة للسباحة في بحر الملوخية.

وإذا كنت لاتحب أن تدخل في الموضوع مباشرة وتعشق الاستطراد مثلي، فأوصيك ونفسي بالكبّة المقلية وسمبوسك اللحمة والحمص المطحون وقليل من الفتوش ولامانع من بعض التبولة وغيرها من أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها إخواننا اللبنانيون، والتي هي أكثر فتكاً من سلاح المقاومة وبرغم ذلك لا يطالب أحد بتفكيكها.


إذا كنت لاتحب المكرونة لديك رز بالكبد والقوانص، وإذا كنت لاتحب الرز بالكبد والقوانص ممكن تمشّيها رز بالشعرية بس وتخلي الكبد والقوانص لوحدها، أما إذا كان لديك خيال خصب، فعليك أن تنبذ الرز السادة جانباً وتركز في المحاشي، وياحبذا لو كانت محشي كرنب سريع الذوبان في الفم، واستخدام بعض الممبار لتغيير الطعم، نفس الشيئ إذا كان البفتيك لايستهويك، لأنك خايف البقسماط يتخّنك، ممكن أن تتخيل بدلاً منه فرخة محمرة محشية رز أو جوز حمام محشي فريك.

إذا كنت ترغب في البط أو الوز ليس عندي مانع أن تتخيله لكن لا تتخيله أمامي فأنا لا أحبه، أما إذا كانت مادياتك مرتاحة وقررت أن تتخيل من وَسَع فاجعل خيالك لحمياً خالصاً، تتجاور فيه هُبَر اللحمة البتلو والريش الضاني وأسياخ الكفتة الحلبي وما تيسر من النيفة، وسأكون ممتناً لك لو جاملتني وجئت على نفسك، ولم تتخيل الكوارع أو الفشة والكرشة وغيرها من الأشياء المريبة التي نسميها فواكه اللحمة، ولاتظن أنني لا أحبها لأنني ابن ذوات فالحقيقة أنني لا أحبها لأني لم أكن أعرف غيرها أغلب عمري.

بالطبع ستكون مضطراً لأن تخرج السمك بكل ما يلذ لك منه من هذا التخيل، وتفرد له تخيلاً آخر تنعم على نفسك فيه بصينية البوري السنجاري أو البلطي المقلي في البيت و المياس المشوي زيت وليمون أو سمك موسى المقلي بالزبدة أو البربوني الطازة أو الجمبري الصينية والكابوريا التي تسر الناظرين والسبيط المستعد للذوبان في الفم والرز البني والصيادية، أعرف أنه خيال قد يبدو مغرياً بنبذ كل ماسواه لكن تذكر أنك تقرأ الآن ولن يكون من المناسب "تزفير" الجريدة بخيال مثل هذا، دعنا في خيال اللحوم والطيور أفضل لنا ولك.

طيب، انتهيت من الشوربة والمقبلات والصواني واللحوم والمحاشي والمعجنات والسلطات، بالهنا والشفا لكن الخيال لم يصل إلى مداه بعد، الآن عليك أن تتخيل أنه ينتظرك صينية ظاهرها منها الكنافة وباطنها من خلفها القشطة، مع بعض من البسيمة المحشية بالبندق وعين الجمل، وما تيسر من القطايف المفخخة بالمكسرات والتي يساعدك على استطعامها كوباية شاي مستكوفي تصنعه لك امرأة قلبها عليك، ثم لا مانع من طبق كبير من البوظة الدمشقية المرشوشة فزدقاً ولوزاً، لزوم الترطيب على القلب، والتي تنافسها في البرودة حبات الفاكهة المتنوعة التي يراعى أن لا تكون أصابع يوسف والي قد غسلتها، ثم اختم خيالك الجامح هذا بطبق عملاق من الفزدق الحلبي والكاجو التركي وعين الجمل سفينة الصحراء، ولامانع من "تحريش" الحلم ببعض السوداني واللب الأبيض.

أعرف أن أعصابك تعبت وأنك تود أن تنقض عليّ الآن لتسألني عن السبب الذي دفعني لتقليب المواجع عليك، بالطبع لست فقط أقصد أن أختبر صدق إيمانك وقدرتك على تحمل الصبر على ملذات الدنيا وكونك قد صُمت فعلاً عن كل ما تحبه إرضاءً لله، الأهم من كل هذا أن أقول لك أن الأحلى من توفر كل هذا أمامك الآن أن تصحى الصبح فتجد من يحكمك قد غار أو تغير. مش كده بالذمة؟. ساعتها فعلاً ستأتي كل سنة وإنت طيب.

.....

إذا كانت شهيتك قد انفتحت على آخرها بسبب هذه السطور، فربما يسدّ نِفسك قليلاً أن تعرف أن هذا المقال نُشر من قبل في صحيفة (المصري اليوم) في 7 أكتوبر 2005، ولا يزال كما ترى صالحاً للنشر.
تعليق: