ابن سعيد الأندلسي.. مرويات سحرية من إيطاليا إلى روسيا

23 مارس 2019
الصورة
خريطة العالم للجغرافي العربي محمد الإدريسي 1100-1165 م
+ الخط -

درس الرحالة والجغرافيون العرب المسلمون شمالي أوروبا في فترات زمنية مختلفة ابتداء من عصر ازدهار العلوم في العصر العباسي الذهبي على يد ابن رستة وابن فضلان والمسعودي وغيرهم، وصولاً إلى العصر الأيوبي الذي شهد توسعاُ في طرق التجارة العالمية، بفضل الاتفاقات التجارية التي عقدها الأيوبيون مع ملوك أوروبا.

ويبدو أن خبرة ابن سعيد المغربي التي اكتسبها من معرفته الشخصية التي حصلها من رحلاته الواسعة في أوروبا وأفريقيا، واطلاعه على المصادر الجغرافية من مظانها الأصلية، قد أغريا الملوك الأيوبيين الذين حل بين ظهرانيهم في حلب ودمشق لكي يطلبوا منه وضع مؤلف عن الأقاليم الجغرافية التي كانت المعرفة بها مهمة، لحركة التجارة المستأنفة بعد عقود طويلة من التوقف، بسبب الحروب الصليبية.

ولعل أهم ما جاء في كتابه تلك المعلومات حول أفريقيا السوداء وأوروبا الشمالية، فقد أضاف، فيما كتبه، للمعرفة البشرية الكثير من المعلومات والأخبار النادرة.

ولد علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك ابن سعيد العماري في غرناطة في العام 610 للهجرة الموافق 1214 للميلاد، إبان تراجع أحوال الأندلس وانتعاش الأحوال في المشرق العربي تحت حكم الأيوبيين الذين أعادوا الاعتبار للكثير من العلوم والآداب بعد حقبة طويلة مظلمة مرت على دمشق وبلاد الشام.

وحل ابن سعيد في بلاط ملك حلب الناصر صلاح الدين يوسف (634هـ)، وقامت بينهما صداقة قوية، ثم قصد دمشق ودخل مجلس السلطان الكامل ابن الملك الصالح اسماعيل، قبل أن يرجع إلى تونس ليتصل بخدمة صاحبها الأمير عبد الله المستنصر، ولكنه سرعان ما قرر العودة إلى دمشق التي مات فيها على أرجح الأقوال، في الحادي عشر من شعبان 673هـ الموافق عام 1275ميلادي.

وضع ابن سعيد العديد من المؤلفات التاريخية والأدبية منها "المشرق في حلي المشرق"، و"الغصون اليانعة في محاسن شعراء المئة السابعة"، و "الأدب الغض"، و"ريحانة الأدب"، و"المقتطف من أزاهر الطرف"، و"الطالع السعيد في تاريخ بني سعيد، تاريخ بيته وبلده"، و"النفحة المسكية في الرحلة المكية"، و"نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب"، و"القدح المعلي، في تراجم بعض شعراء الأندلس". بالإضافة إلى ديوانه الشعري وكتابه الجغرافي، موضوع مقالنا هذا.

تحتل المقاطع التي تطرقت لأوروبا الشمالية أهمية استثنائية، وخصوصاً لدى دارسي تاريخ هذه القارة التي عرفت عصوراً مظلمة طويلة، فهي تقدم وصفاً يكاد يكون شاملاً لأوضاع القارة من جميع النواحي السكانية والبشرية والطبيعية، وحتى التجارية والاقتصادية. وقد عني بهذا الكتاب المستشرقون ودرسوه جيداً وأشاروا إليه في دراساتهم، وله عدد من المخطوطات الناقصة في معظمها، كوننا لم نعثر حتى الآن عى مخطوطة المؤلف، فما هو معروف هو نسخة أبي الفداء، بالإضافة إلى نسخ أخرى مختصرة، منها مخطوطة في مكتبة الفاتح فيإاسطنبول تحت الرقم 3413، والتي اعتمدناها في اقتباس هذه المقاطع.


فرنسا القديمة

في حديثه عن الإقليم السابع يتحدث ابن سعيد عن بلاد غاليسيا، وهي البرتغال الحالية فيقول: "أول ما يلقاك منه على البحر المحيط [المحيط الأطلسي] مصب نهر سموره الكبير. وتقع سمورة قاعدة غليسية وأكبر مدائن الفنش، في جزيرة بين فرعين من هذا النهر، ولها ذكر في غزوات الناصر المرواني والمنصور بن أبي عامر. وكان المسلمون قد ملكوها، ثم استرجعها النصارى بالفتنة.

وفي شماليها بانحراف للشرق مدينة ليون المنيعة، التي خرب سورها العظيم المنصور بن أبي عامر، وهي على نهر ينصب في سمورة. وفي الشمال والغرب شنت ياقو [سانت ياغو]، فيها ياقو الحواريُّ، ولها شأن عظيم عند النصارى، وهي على البحر المحيط، وحولها أنهار تنزل من جبل الفخيرة في شرقيها".

ثم يتحدث عن مدينة سان سيباستيان التي تعد آخر مدن إسبانيا من جهة المحيط على الحدود مع فرنسا فيقول: "مدينة سنسبين [سانت سيبستيان]، وهي كثيرة القراقر في دخلة على البحر المحيط، وفي شرقيها ساحل، ثم يدخل البحر المحيط إلى الإقليم السادس. ويرجع الإقليم السابع، فتكون على ساحله بلاد بيطو، وسكانها أحرار الفرنج، ومنها تُختار الملوك لفرنسة إذا عدموا في فرنسة. وهي عادة متوالية. وفي شمالي بيطو، مصب نهر سِن[السين]".

وحول نهر السين يتطرق ابن سعيد إلى مدينة باريس ويشير إلى أنها مدينة تتألف من ثلاثة أقسام، وهي معلومة غاية في الأهمية إذ يقول: "في وسط هذا النهر وجانبه، مدينة بريس [باريس] قاعدة فرنسة. وهي ثلاث قطع فالوسط الذي في الجزيرة لفرنسيس، سلطان الفرنج، والجنوبية للجند، والشمالية لسائر تجارهم ورعيتهم".


حوض الدانوب

وفي حديثه عن نهر الدانوب يقول: "هذا النهر ينزل من جبل دنبوس الكبير، ويقال له في الشمال جبل مليحة، ومن شرقيه منبع نهر دنبوس، الذي يقال إنه أكبر من النيل ومن جيحون، وهو مشهور بنهر دنوبا، ويسميه الترك طنا. وعلى جانبيه في جزيرة إلى مصبه في بحر القسطنطينية [البحر الأسود] كثير من المدن والعمائر إلا أنها معجمة الأسماء خاملة الذكر عندنا. وفي جنوبي هذا النهر وشماليه، بلاد ألمانية الطويلة التي يقال إن فيها أربعين ملكاً، وسلطانها هو المعروف بالإمبراطور، ومعناه ملك الملوك، والعامة تقول الأنبرور.

وقاعدتها القديمة المذكورة في الكتب بيصة، وفي شماليها جبل الخرواسيا الكبير [كرواتيا]، وهو يتصل بجبال لومبرديه وجبال اسكفونية، وعليه كثير من المصانع والحصون، وينصب منه كثير من الأنهار التي أسماؤها خاملة عندنا. وفي شمالي هذا الجبل مدينة سيقلو، تصنع فيها السيوف الألمانية المشهورة، ولها معدن حديد يجلب منها. ويقال إنه في مكان فيه، معدن حديد مسموم تصنع منه سيوف وخناجر، لا يُبيح الملوك اكتشافها لغيرهم. وفي شرقيها وسمت عرضها مدينة بقصين وهي مخصوصة بعلمائها وحكمائها".

بعد ذلك يتحدث عن "بلاد الباشقرد، وهم ترك، جاوروا الألمانيين على عهد متوارث، وهم مسلمون من جهة فقيه تركماني بصّرهم بشرائع الإسلام. وأكثر عمائرهم على نهر دنوبا الكبير، وعلى جنوبيه قاعدتهم". ويشير إلى أن هذه البلاد هي "مما دخله التتر وخربوه وأهلكوا أهله، وفي شرقيها، بلاد الهنقر[الهنغار]، ويشرح ابن سعيد أنه "ترك أخوة الباشقرد، تنصروا بمجاورة الألمانيين، ولهم مدائن وعمائر على النهر الكبير مستعجمة. وقاعدتهم مدينة ترنبو، وهذه أيضاً مما دخله التتر".


جزيرة بريطانيا

وحول جزيرة بريطانيا يقول ابن سعيد: "أولها من جهة الجنوب والمغرب، من سمت الجزائر الخالدات، والعرض مع آخر الإقليم السابع، ثم يدخل البحر فيها نحو درجة وثلث، ثم يرجع إلى خط الإقليم السابع. ويقال لهذا البحر، الخارج من البحر المحيط، بحر بريطانية، وهو مكتنف لهذه الجزيرة من جنوبيها، والبحر المحيط من سائر جوانبها، وبقي لها مدخل إلى بلاد الأندلس من الجهة الشرقية الجنوبية في آخر هذا الجزء. ومسافة هذه الجزيرة في الطول، ثمانية عشر يوماً من الجانب الجنوبي، واتساعها نحو أحد عشر يوماً في الوسط، ولا مياه فيها، إلا من المطر، ولها ملك منفرد قاعدته مدينة بريستل [بريست].

ثم يضيف في حديثه عن جزيرة بلله بأنها "صغيرة معمورة تقع الحرب عليها بين صاحب انكلترة وبريطانية لأنها بين الحدين، وطولها من شمال إلى جنوب، بانحراف إلى المشرق، نحو مائة ميل. ويقال إن فيها شجراً تخرج منه طيور كالدجاج، وهذا مستفيض عند الفرنج، كاستفاضة الخرفان التي تخرج من القرع عند الترك".

ويقول إنه "في شرقي هذه الجزيرة، تقع جزيرة انكلترة، وصاحبها الإنكتار المذكور في تاريخ صلاح الدين في حروب عكا، وقاعدته مدينة لندرس [لندن]. وبعض الجزيرة داخل في الإقليم السابع، وفيها مدن كبيرة وعمائر معجمة خاملة الذكر عندنا. وطول هذه الجزيرة من الجنوب إلى الشمال، بانحراف إلى المغرب والمشرق، نحو أربعمائة وثلاثين ميلاً، واتساعها في الوسط نحو مائتي ميل. وفي هذه الجزيرة الذهب والفضة والنحاس والقصدير، وليس فيها كروم لشدة الجمد، فأهلها يحملون جواهر هذه المعادن في البحر، ويدخلون بها فرنسا، ويتعوضون بذلك بالخمر.
وصاحب فرنسا إنما كثرة الذهب والفضة عنده من ذلك. وعندهم يصنع الاسكرلاط العالي. وفي هذه الجزيرة غنم لها صوف ناعم كالحرير فيجعلون عليها جلالاً يقيها من الأمطار والغبار. ومع غنى الانكتار ووسع مملكته، فإنه يقر بالسلطنة للفرنسيس، وإذا كان مجتمع حفل، خدمه بأن يحط قدامه زبدية طعام، وهي عادة متوارثة".

ويضيف شارحاً: "وفي شمالي انكلترة وبعض شمالي بريطانية، جزيرة ارلندة، وهي داخلة في الجزء الأول وفي الثاني. ومسافة طولها نحو اثني عشر يوماً، وعرضها في الوسط نحو أربعة أيام، وهي مشهورة بكثرة الفتن، وكان أهلها مجوساً، ثم تنصروا اتباعاً لجيرانهم. ويجلب منها أيضاً النحاس والقصدير الكثير".


الوصول إلى إسلندا

يتحدث ابن سعيد عن جزر بحر الشمال فيذكر جزيرة تدعى جرمونية طولها اثنا عشر يوماً، وعرضها في الوسط نحو أربعة أيام، ويقول إنه منها تجلب السناقر الجياد، وهي نوع من الصقور، ولعل هذه الجزيرة هي جزيرة أيسلندا، ويقول إنه في غربيها "جزيرة السناقر البيض، طولها من غرب إلى شرق نحو سبعة أيام، وعرضها نحو أربعة أيام، ومنها ومن الجزائر الصغار الشمالية، تجلب السناقر التي تحمل من هنالك إلى سلطان مصر. ورسم الخارج منها في خزانته ألف دينار، وإن أتوا به ميتاً دفع لهم خمسمائة دينار".

ويوضح ابن سعيد أن في هذه الجزيرة التي ربما كانت في اسكندنافيا "الدب الأبيض" القطبي، ويشرح بأنه "يدخل البحر ويصيد السمك ويخطف ما فضل أو ما غفلت عنه هذه السناقر، ومن ذلك عيشها، إذ لا تطير هناك من شدة الجمد. وجلود هذه الدببة ناعمة".

ويذكر ابن سعيد معلومة مهمة يقول فيها إن هذه البلاد الباردة التي تقع في أقصى شمالي أوروبا والتي تسمى قاعدتها غراز كانت بيد أحد ملوك الصقالبة أي السلاف، وأن بلاد الصقالبة وقعت بيد الألمانيين والهنقر والباشقرد. ويقول إن مدينة غراز "متحصنة في وسط بحيرة مالحة كبيرة، ولا يدخل إليها ألا على جسر مصنوع. وفي شرقيها من القواعد التي كانت للصقلب، فاستولى عليها المذكورون".

ثم يتحدث عن مدينة كييف التي يسميها كويابة فيقول: "إنها كانت لأعظم ملوك الصقالبة الموصوفين بالكبر، ومرساها في البحر المحيط، مقصود، تتجمع فيه المراكب الكبيرة، وهو أحسن مراسي تلك الجهة. وقيل أن لها اثني عشر باباً. وفي شرقيها من قواعد ملكهم، صاصين، وهي على البحر المحيط".


موسكو وجزيرة النساء

يضيف ابن سعيد في وصفه لروسيا: "وعلى عشرة أيام من صاصين للمشرق، مدينة مشقة [موسكو] وكان صاحبها من الصقلب [السلاف]، واسع الملك، ضخم العسكر. ويقع في هذا الجزء، مدينة النساء، والصحارى محدقة بها، ولا ملك عليهن إلا امرأة. ولهن في تلك الصحارى مماليك، إذا كان الليل طرق كل مملوك باب سيدته وبات معها ليلة، فاذا كان السَّحَر، انصرف إلى مكانه، فإن ولدت المرأة ولداً قتلته، وإن ولدت بنتاً أحيتها، ولا يظهر رجل في بلدهن البتة. وفي البحر المحيط الذي في هذه الجهة الشمالية، جزيرة النساء.

طولها من شرق إلى غرب، بانحراف إلى الجنوب، نحو مائتين وخمسين ميلاً وعرضها في الوسط نحو مائة وعشرين ميلاً. وفي شرقيها، جزيرة الرجال، من غرب إلى شرق نحو مائتين وسبعين ميلاً، وعرضها في الوسط، نحو مائة وسبعين ميلاً. ولا تجتمع الرجال بها، ولا النساء المذكورات، إلا شهراً واحداً في السنة، وهو وقت الاعتدال عندهم، تركب الرجال في الزوارق إلى جزيرة النساء، ويعرف كل رجل امرأته، فيحيا معها مدة الشهر، ثم يرجع إلى جزيرة الرجال، فإن ولدت المرأة ذكراً، ربته حتى يصير في حد الرجال، فترسله إلى جزيرتهم، وإن ولدت أنثى، أسكنتها مع النساء. وفي شرقي هاتين الجزيرتين، جزيرة الصقلب الكبيرة، التي لا معمور في البحر المحيط خلف شرقيها، ولا شماليها.

وطولها نحو سبعمائة ميل، واتساعها في المحيط الوسط نحو ثلاثمائة ميل وثلاثين ميلاً. وفيها جبال وأنهار، ومدن وعمائر، وخلق كثير. ويقال إنهم باقون على التمجس، وعبادة النار، ولا يرون أعظم منها منفعة، ولا سيما حين ينزل الجمد عندهم. والزروع في هذه الجزيرة وشبهها، لا تبلغها الشمس، وإنما تنبت بالدخان، وقرب النيران".

وربما لا تخلو هذه الأوصاف من المبالغات وربما هي استعادة لاسطورة الأمازونات في الأساطير اليونانية.


البحر الأسود جنس الروس

وحول البحر الأسود يقول ابن سعيد "أول ما يلقاك منه من الفرض المشهورة مدينة سوداق. وأهلها أخلاط من الأمم والأديان، والأمر فيها راجع إلى النصرانية. وهي على بحر نيطش [البحر السود]، الذي يسافر فيه التجار منها إلى خليج القسطنطينية. وفي سمتها من الجانب الجنوبي، مدينة سينوب، الفرضة المشهورة. وفي شرقيها مدخل بحر مانيطش، من بحر نيطش المتقدم الذكر.
وعرضه نحو ثلاثين ميلاً، وامتداده من الجنوب إلى الشمال، نحو ستين ميلاً، ثم يتسع البحر، فيصير عرضه من غرب إلى شرق، نحو مجراوين وثلث، ويصير عرضه من جنوب إلى شمال، نحو مائة وستين ميلاً. وفيه جزائر تسكنها الروس، وكذلك يقال له بحر الروس، وهم الآن على دين النصرانية.

وينصب في شمالي هذا البحر نهر يخرج من بحيرة طنا الكبيرة. وعلى جانب هذا النهر، من الضفة الغربية روسيا، وهي قاعدة الروس، وهم خلق كثير وفي وجوههم طول، ولها على بحر نيطش ومانيطش مدن كثيرة معجمة.

وفي شرقيها بحيرة طوما الكبيرة، طولها من المغرب إلى المشرق، نحو ستمائة ميل وثلاثين ميلاً، وعرضها في البر المشرقي نحو ثلاثمائة ميل. وفي وسطها جزيرة أليس، طولها نحو مائة وخمسين ميلاً، وعرضها نحو سبعين ميلاً. وفيها قلعة مانعة على جبل تكون فيه خزائن سلطان بلاد الكومانيين. وفيها اليوم أموال ولد بركة. وينزل إلى هذه البحيرة أنهار كثيرة".


بلاد البلغار

وعلى هذه البحيرة (لعلها بحر أزوف) مدن كثيرة وعمائر غزيرة، وأكثر سكانها البلغاريون ومعظمهم مسلمون، وفيهم نصارى. والقاعدة المشهورة في هذا الصقع طوما، التي تنسب إليها البحيرة، وفي جنوبيها إلى بحر نيطش شَعْراء البقس منها تجلب إلى سائر أقطار الدنيا. والعجب أنها قليلة المسافة عرضاً وطولاً، وتعم بلاد الشرق والغرب لما جعل الله تعالى فيها من النمو وسرعة الخلف.

وفي شرقي هذه الشعراء على البحر، مدينة مطرخا، لها بلاد وملك منفرد بنفسه، وهي على ركن البحر الشرقي في الشمال،. ويقع في شمالي هذا الجزء الرابع، مدينة سقسين المشهورة،. وفي شرقيها مدينة سوه، وهي أيضاً مشهورة مضافة إليها. وفي شرقي سقسين مدينة قراغت،. وفي شرقيها بلغار، وهي مدينة من أخشاب".

ومن المؤكد أن جغرافية هذه البلاد البلقانية تغيرت كثيراً الآن وخصوصاً بعد غزوها من جانب المغول، إذ إن شعب البلغار القديم قد تقلص وجوده كثيراً وتبعثر في مختلف مناطق البلقان.


بلاد القوقاز

ويطلق ابن سعيد اسم جبل الكبكز الكبير، على سلسلة جبال القوقاز، ويستطرد شارحاً بأنه "جبل الألسن لكثرة ما فيه من اللغات"، ويشير إلى أنه "جبل متصل بجبل الباب"، في إشارة إلى بلاد الداغستان الحالية.

ويضيف ابن سعيد أن معظم سكان جبل الكبكز "مسلمون يحجون، وفيهم نصارى. وموضوع مدينتهم أطرابزند، على البحر. وفي شرقيها مدينة الكسا، وهم جنس من الترك تنصروا وتمدنوا. وموضوعها على البحر، وفي شرقيها مدينة أذكشية، يسكنها قوم من الأذكش، وهم من أجناس الترك تنصّروا بالمجاورة. وهي على البحر.

وفي شرقيها على البحر الأبخاز، وهي فرضة الكرج [الجورجيون] وهم نصارى. وفي شرقيها على البحر علانية، وهي مدينة يسكنها قوم من العلان (الّلان)، وهم ترك تنصروا. والعلان خلق كثير في تلك الجهة، وخلف باب الأبواب.

ويجاورهم قوم من الترك، يقال لهم الأس وعلى منزعهم وعلى دينهم. وفي شرقي علانية على جون في آخر منتهى بحر سينوب مدينة خزرية، وهي منسوبة إلى الذين أفناهم الروس. وقد يسمى هذا البحر ببحر الخزر(قزوين) نسبة لها،، وهي على نهر ينصب في البحر من جهة شماليها".

وحول مدينة الدربند أو باب الأبواب الشهيرة في بلاد الداغستان يقول ابن سعيد: "السور الذي بناه أنو شروان ملك الفرس، بين بحر طبرستان وبحر سينوب. وفي هذا السور، بنى الأبواب التي قيل انها كانت سبعة لكل أمة من الأمم التي في شمالي هذا السور، وعليه حصن فيه حفظ، كانوا يمنعون تلك الأمة التي تلي ذلك الباب من الدخول إلى بلاد الأكاسرة.

وأعظم هذه الأبواب باب الحديد، وهو يعرف إلى الآن كذلك. وعلى دور الجبل إلى جانبه قلعة العلان التي هي إحدى قلاع العالم، وهي ملثمة بالسحاب. ويقال ان التتر قاسوا عليها شدة، ولم يأخذوها إلا بالحيل بعد مدة. وما في شمالي هذا السور اليوم، فهو في حيز ابن بركة من التتر المسلمين. وما في جنوبيه لابن هلاوون، سلطان التتر الكفار. وقاعدة هذه الأبواب وسلطنتها هي مدينة الباب.


بلاد السرير أو الداغستان

يقول ابن سعيد حول مدينة السرير، وهي قاعدة بلاد السرير(أي داغستان). إن "بعض الأكاسرة قد وضع هنالك سريراً لبعض أقاربه، واستنابه بتلك الجهة، فعرفت ببلاد السرير، وأهلها أخلاط من العرب والترك. وهي على جبل يتصل بجبل الألسن الذي فيه الأبواب.

ومن هذا الجبل ينزل نهر الغنم الذي ينصب في بحر خزريا، وفي شرقي مدينة مطرخا، وهو كبير يحمل في الشتاء، وتعبر الدواب عليه. وفي جنوبيه، ينصب نهر أتل الصغير، يأتي من نحو أتل الكبير [الفولغا]، ويمر في جنوبي نهر الغنم، فيبقى بينهما جزيرة عرضها نحو ثلاث مراحل.

وكان عسكر هلاون [هولاكو] قد عبر هذين النهرين إلى قتال عسكر بركة، فكسرهم عسكر بركة، وغرقوا في رجوعهم في نهر الغنم الأول، ثم غرق الذين خلصوا، في النهر الآخر، وكانوا قد جازوا عليه في الثلج فانخسف بهم. ويقال إن الدروع والجواسق تخرج من هذين النهرين إلى الآن.

وفي شرقي مدينة السرير، مدينة برطاس قاعدة هذا الجنس من الأتراك. وهي على طرف جبل قرمانيا الكبير، الدائر من شماليها نحو ثمانية وثلاثين يوماً إلى جانب نهر طنابرس، ومنه تنزل أنهار كثيرة إلى بحيرة طوما. ولبرطاس مجالات كثيرة على نهر أتل الذي في شرقهم وجنوبيهم.
وفي شرقي برطاس دخلة من بحر طبرستان كبيرة. وفي شرقيها بحيرة مازغا، دورها نحو ثمانية أيام، وتنزل إليها أنهار كثيرة من جبل أصغرون الكبير، المنعطف من الإقليم السابع عليها. ومنه يخرج مازغا الكبير وينصب فيها، ويخرج منها نهر ينصب في نهر أتل الطويل.

وعلى هذا الجبل في هذا الجزء، قلعة دندرة، وفيها يجعل ملك برطاس ذخائره، ومنه يغير على العربة، ومن يتربع حول هذه البحيرة من أجناس الترك، وعلى هذا الجبل أيضاً، قلعة درمو، فيها يجعل ملك العربة ذخائره، ومنها يغير على البرطاس وغيرهم.

وفي شمالي هذا الجزء مجرى نهر طنابرس الكبير، وعليه مدينة سقسين التي تقدم ذكرها وبها الآن ولد بركة ملك التتر المسلمين، وفيها مدارس ومساجد".


حول الفولغا

وحول نهر أتل الطويل أي نهر الفولغا، يقول ابن سعيد إن "في شماليه يمر نهر طنابرس. وفي شرقيه منبع طنابرس الذي ينصب في بحيرة طوما من الجبل الأحدب العالي المتصل بالجبل الكبير الممتد مع آخر العمارة بالشمال، وفي جنوبي هذا الجبل، جبل أرستانا، الممتد من الشرق إلى الغرب، وينزل منه نهران كبيران إلى نهر أتل".

ويضيف أنه في "جهات هذا الجبل بلاد القمانية، وهم من أجناس الترك، ولهم اعتناء بالنجوم واشتغال بأحكامها، وهم يعبدونها، ولهم في هذا الجزء بحيرة عنقور، طولها من المشرق إلى المغرب بانحراف للجنوب، أحد عشر يوماً، وعرضها أربعة أيام. ويدور بها من جهة المغرب جبل طغورا قاعدة القمانية، وبها مدن، على الأنهار النازلة من هذا الجبل وعلى البحيرة، خاملة الأسماء".

ثم يتحدث عن شعب البجناك، وهم أسلاف شعب البشناق قبل هجرته باتجاه الغرب هرباً من المغول، فيقول: "جبل البجناك وهو معترض من الشمال إلى الجنوب، يخرج منه نهران، والشمالي يغرب ويكون عنه بحيرة دورها نحو مائة ميل، وعلى جانبها الغربي، بجناكية، وهي قاعدة خاقان البجناك.

وهم أمة من الترك يحرقون أنفسهم ويحرقون من وقع إليهم. وهي واقعة في آخر الجزء السابق. وللبجناك جبل ثان ينعطف من الإقليم السابع، ويمر متصلاً بجبل الشهروجية، وينحدر منه نهر إلى بحيرة، يكون عرضها مائة ميل، وكذلك طولها. وعليها وعلى النهر المذكور، مدن للبجناك خاملة الأسماء.

ويخرج من هذه البحيرة، نهر يمر مغرباً إلى بحيرة أخرى على مدينة طيغوا، وهي لملك من البجناك، يحاربه صاحب بجناكية، مع أن الخاقانية عندهم متوارثة في عقبه، وشرقي البجناك الأرض المنتنة، لا يقدر أحد على سلوكها إلا بالروائح الطيبة وهي خالية. وفي شماليها بلاد سحرت، وهم كفار، لا يدخل إليهم أحد إلا قتلوه".

المساهمون