ابني يحب القراءة ولا يحب المدرسة

ابني يحب القراءة ولا يحب المدرسة

20 ديسمبر 2017
الصورة
دورنا هو تمجيد قدرات الطفل وليس شخصيته أو ذكاؤه(Getty)
+ الخط -
أتذكر جيدًا تلك الليلة التي كنّا ذاهبَين فيها لطبيب الأسنان، حينما سألت ابني الأكبر عن المدرسة، فأجاب بعد حوار طويل أنه لا يحب المدرسة.
في الحقيقة نواجه أنا وأمه مشكلة إضافية هنا، وهي أنه يستذكر دروسه لأجلنا فقط، بمعنى أنه لا يستمتع بذلك، ولا يشعر إلا أن ذلك هو واجب عليه، لكن المفارقة هي أنه يحب القراءة ويستمتع كثيرًا بالتعرف إلى عوالم جسم الإنسان، النجوم، الكواكب، وخلايا النحل من الكتب التي نقرأها له، أين تقع المشكلة إذن؟

لا شك في أن السبب الرئيسي الذي يجعل من المدرسة مشكلة، بجانب مشكلات أخرى قد تختلف حسب حالة كل طفل، قد نتصوّر للوهلة الأولى، هو أن المدرسة سجن، أو أن كل طفل يحب الحرية واللعب والإبداع، لا يحب الالتزام بشيء قد أصبح مجبرًا عليه، شيء لا بد من اجتيازه وانتظار نتائج الإنجاز فيه، أضف لذلك أن التنافس بين الأطفال ليس بالضرورة مفيدًا، فربما يذهب الطفل للمنزل مساءً ليتساءل لم يريدون منه أن يتفوق على آخرين.

ذلك صحيح بدرجة ما، لكن هل هذا هو السبب الرئيسي لمشكلات الطفل مع المدرسة؟ دعني هنا أشاركك بعض الملاحظات الملفتة للانتباه من كتاب يسمى "لماذا يكره الأطفال المدرسة؟"، والذي لاقى الكثير من النقد، لـ دانييل ولينغهام متخصص علم النفس الإدراكي من جامعة هارفارد، حيث يشير ولينغهام إلى أن المشكلة مع المدرسة تقع بالأساس على عاتق المدرس، فهو يتعامل مع الذكاء على أنه شيء ثابت، ويقيم ما يرى أنه اختلاف طرق الإدراك الخاصة بكل طفل على أنها درجات لهذا الذكاء، وبالتالي فهناك أطفال أفضل من آخرين.

هنا يجادل ولينغهام أن الذكاء الأكاديمي هو ذكاء طيّع، مرن، إنه الذكاء الذي ينشأ بالجهد، والتمرين المستمر، والعمل المنظم، ذكاء ممكن العمل عليه وتطويره، لكن المدرس لا يرسل تلك الرسالة للأطفال، بل رسالته، كانت واضحة أو ضمنية، هي أن الذكاء شيء محدد وثابت، بذلك يمكن أن نهمل كل شيء آخر، وذلك يؤثر بقوة على أداء الطفل الذي يظن أن الذكاء شيء ثابت.

تأمل معي قليلًا هنا، إن ذلك هو أفضل تعريف ممكن "للإحباط"، طفل يرى أن "المسألة الرياضية تلك" صعبة لأنها "صعبة"، فقط لأنها كذلك ولا حاجة للجدل هنا، يعطيه ذلك عذراً جيداً للهروب، لكن حينما يتصور أنها ممكنة لكن الأمر يحتاج لبذل جهد منظم لحلها فإن النتيجة مختلفة، ليس ذلك فقط لكن الأطفال الذين يرون أن الذكاء هو شيء طيّع سوف يختارون مهام صعبة لاجتيازها في أثناء اختياراتهم، تمارين صعبة مثلًا في الرياضيات، لأنهم يعتبرونها تحديات، والتحديات ترفع الذكاء لأنه طيع، والعكس صحيح مع طفل الذكاء الثابت، سوف يختار الأسهل خوفًا من الفشل.

للوهلة الأولى قد نقول الجملة الشهيرة "لكن الأطفال يختلفون في قدراتهم، هناك الذكي وهناك الأكثر ذكاءً"، في تلك النقطة نود أن نلفت الانتباه إلى مشكلتين غاية في الأهمية، الأولى تتعلق بسؤال "هل يختلف الأطفال في طرق إدراكهم للمعلومات؟"، هنا يقول ولينغهام إنه لا يوجد دليل علمي واحد يؤكد تلك الفرضية، لا يوجد طرق مختلفة تصلح لتعليم أطفال مختلفين، لكن الطريقة السهلة يمكن أن تعلم كل الأطفال مهما اختلفت شخصياتهم أو آليات تفكيرهم، الأطفال أقرب للتشابه من الاختلاف، ينقلنا ذلك لمشكلة أخرى مثيرة للانتباه.

هناك فارق بين الخبير والمتعلم المبتدئ، الخبير هو شخص يمكنه الإبداع، يمكنه ابتكار آليات جديدة تماما للعمل ويستطيع خلق تفسيرات مختلفة للظواهر عما كنا نتصور ويمكنه تطوير نظريات تقتل ما قبلها، لكن ليس المتعلم المبتدئ، المتعلم هو شخص مطلوب منه هضم ما يُقدَّم له من معارف، فهمه، ومطلوب منه محاكاة النظريات وليس ابتكارها، لكن هل يقدم المدرس المعارف بتلك الطريقة للأطفال؟

لا، يخطئ المدرس بالخلط بين المتعلم المبتدئ والذي يجب فقط أن نعمل على الاهتمام بتدريبه، وبين الخبير المبدع والمطالب بابتكار حلول جديدة، فيعامل الطفل الصغير على أن المطلوب منه هو الإبداع وليس التعلم. أعرف، يبدو ذلك غريبًا بعض الشيء، فمن المفترض أن نحث أطفالنا على الإبداع وليس العكس، لكن في الحقيقة يعرض ولينغهام لنفس الفكرة إن تأملت قليلًا، لكنه يعرضها من ناحية مختلفة، دعنا هنا نرتدي حذاء ولينغهام ونتأمل وجهة نظره، هل المدرسة هي سجن لأحلام الأطفال ورغبتهم بالإبداع؟

لا، أيضًا، سوف نرى الأمر هكذا للوهلة الأولى، لكن الحقيقة أن المدرسة هي مكان للإحباط، موضع يتعلم الطفل فيه أن كل شيء ثابت، وأن الأمور انتهت وقد حسم الأمر، هناك من ولدوا أذكياء وهناك من ولدوا أغبياء، المدرسة هي مكان يرى فيه الطفل أنه مجبر أن يتعامل كألبرت آينشتين ونيلز بور بينما هو ليس كذلك، لا أحد كذلك، إنه مجرد طفل نودّ تعليمه يا صديقي، أنت ربما – من وجهة نظر ولينغهام – تحمله أكثر من طاقته، وإن كانت رسالتك له ضمنية، كنت مدرسًا، أبًا، أمًا، أو حتّى مؤسسة تعليمية.

هنا نأتي للنقطة التي تهمنا كآباء وأمهات، يعلمنا ولينغهام أن دورنا هو تمجيد قدرات الطفل وليس شخصيته أو ذكاؤه، والقدرات هنا هي شيء يمكن اكتسابه من خلال الجهد والتعلم المستمر، فالرحلة نحو الإجابة أهم من الإجابة نفسها، يعلمنا ذلك أيضًا أنه كلما حصل الطفل على خلفية جيدة كلما كان إنجازه في المدرسة أكبر، لأن خلفيته السابقة هي أكبر حافز لقدرات أفضل.

لفهم ذلك يجب أن نتعلم بعض الشيء عن الذاكرة، فالذاكرة طويلة الأمد، والتي يتم تحفيزها بالتكرار والخبرة، هي المنبع الرئيسي لقدرات طفل ما على التعلم، وحينما يكون الطفل معرضًا بالمنزل لأكبر قدر ممكن من الخبرات عن الصواريخ، النجوم، أو النباتات فإن عرض ذلك عليه في المدرسة سوف يكون سهلًا، كلما كانت محصلته من الكلمات الإنكليزية أكبر كما كانت الإنكليزية سهلة في السنين الأولى مثلًا.

هنا يمكن أن تربط بين المدرسة والقراءة أو النشاط الخارجي، هنا يمكن أن نختار قراءاتنا لأطفالنا بحيث تدعم تعلمهم وترفع من درجة الربط بين الواقع، البيئة، وما يتعلمونه، فيعطيهم ذلك فرصة أفضل للتذكر، وللتعلم، لكن ذلك كله يبني نفسه على نقطة واحدة هامة، وهي ما يعنيه الذكاء الأكاديمي بالنسبة لك، الإحباط الحقيقي هو أن نتصور كآباء أن الذكاء الأكاديمي هو شيء ثابت غير مرن، وأن طفلك لا يمكنه تجاوز حد ما، ذلك خطأ كارثي الأثر.

المساهمون