ابنة الجارية و"نوبل"

ابنة الجارية و"نوبل"

22 أكتوبر 2016
الصورة

ديلان يحوز نوبل... الأدب بوصفه مانحاً للبهجة (ديسمبر 1978/Getty)

+ الخط -
يوماً، قال شاعر لبناني صديق ممن يكتبون القصيدة المحكية "القصيدة المحكية تشبه ابنة الجارية التي تتجرأ على الدخول إلى حفلٍ يعج ببنات السادة، وتلفت أناقتها الأنظار، فالقصيدة العربية الفصحى، مهما كان شكلها، محملةٌ على إرثٍ تاريخيٍّ لغوي عتيق ومقدّس. وبالتالي، يمكن للغة أحياناً وحدها أن ترفعها، بينما القصيدة المحكية ابنة بيئتها فقط، لا حامل لها سوى ذاتها. لا حاشية ترافقها، ولا تجرّ وراءها شيئاً يسندها، ولا تاريخ عريق لتتكئ عليه". تدخل، حسب الشاعر الصديق، إلى الحفل، وهي تلبس فستاناً عادياً، يمكن أن تراه كثيراً، لكنك تراه بالغ الجمال والأناقة على جسمها، إلى حد أنك أحياناً ستقول: يا لهذا التصميم المذهل، ويا لهذا الجسد الرائع الذي يرتديه. وعلى الرغم من أن الأذن العربية اعتادت على اللغة الفصحى بالشعر، منذ كان الشعر لسان العرب، إلا أن العرب أنفسهم يميلون ويطربون للشعر المحكي. ولا يعني الطرب هنا الخفة، إذ قدّمت القصيدة العربية المحكية نماذج مذهلةً منذ ظهورها، مثلما قدّمت نماذج مزرية.

أليس هذا حال الأدب والفنون عموماً، ثمّة ما هو راق وثمّة ما هو مزر؟  أين يمكن أن نصنف شعر مظفر النواب وقصائدة المحكية مثلا، هل يتجرأ أحدنا، ويقول إن هذا ليس شعراً؟ ماذا بخصوص ما قدمه سعيد عقل من الشعر المحكي؟ من منا لم يُفتن يوماً بما كتبه ميشيل طراد وأنس السبعلي وطلال حيدر. ومن مِنَ السوريين لم يدخل وجدانه صوت حسين حمزة وقصائده؟ في أية خانةٍ نضع شعر صلاح جاهين وفؤاد حداد وعبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم وفؤاد قاعود؟ قدّم كل هؤلاء نماذج مختلفة من الشعر المحكي، لم يكن مقتصراً على الغزل والرومانسية، بل دخل في مواضيع متعدّدة لم تدخلها القصيدة الفصحى. اشتغلت القصيدة المحكية على الحب والوصف، مثلما اشتغلت على السياسة اليومية والمباشرة، مثلما دخلت إلى الوجدان الشعبي العربي، وأخرجت ما به من القهر والخوف والحزن والغضب والألم والثورة. وبطريقةٍ فيها من الجمالية الشعرية ما تعجز عنه أحياناً القصيدة الفصحى، قد يقول أحد ما إن السبب هو السلاسة الغنائية في القصيدة المحكية.

أنا الشغوفة بالشعر بكل أنواعه، لا يلفتني الكثير من الشعر الغنائي الفصيح، لا يلفتني اعتماده على الإيقاع العروضي، واللعب باللغة. في الوقت نفسه، لا يلفتني في القصيدة المحكية الجميلة  سلاسة إيقاعها الموسيقي، ولا أقرأها بوصفها أغنيةً سأسمعها قريبا. أقرأها وأتأمل كيف استطاع شاعرها أن يضع فيها هذه الكتلة الشعورية الاستثنائية التي عادةً ما نخرجها بالحكي اليومي العادي، بينما يصعب على كثرٍ منا، نحن من نكتب القصيدة الفصحى، أن نعبّر عنها بكل هذه القوة والجمال. تنحاز القصيدة المحكية للإنسان العادي الهامشي في تفاصيل يومياته وشقائه وهمومه العامة التي عادة ما تأنف قصيدة الفصحى من الاقتراب منها، مفضّلةً الانحياز نحو القضايا الكبرى والمفاهيم المجرّدة من جهة. ومن جهةٍ أخرى، نحو الذاتية المفرطة.

بينما تغوص القصيدة المحكية في وحل الحياة اليومي، تضع قصيدة الفصحى قدميها في بركة ماء صافية. ولكن، ما الذي سيبقى للزمن؟ بعد الانهيار الحالي لكل الروافع القومية، بما فيها اللغة، أظن أن سؤالاً كهذا ترفي. نحن نكتب، مهما كان شكل ما نكتب، لنقاوم سهولة انجرارنا نحو القباحة المحيطة بنا. نكتب كي لا نتحّول إلى كتل من الكراهية الموقوتة الجاهزة للانفجار، هل يهم الشكل الذي نكتب به، واللغة المستخدمة للكتابة؟ أظن أن منح جائزة نوبل للآداب لبوب ديلان يجيب عن أسئلة كثيرة سابقة، لو نحيّنا جانبا نظرية المؤامرة في جائزة نوبل، والانحياز نحو لغة الرجل الأبيض (الأميركي) لدى لجنة الجائزة، ولو فكّرنا بما قدمه بوب ديلان من البهجة والسعادة، في مؤلفاته الموسيقية الشعرية، لأجيال عديدة في العالم كله، ولو نظرنا إلى الأدب، بوصفه أولاً مانحا للبهجة والمتعة.