إيطاليا والفساد اللبناني

09 مارس 2019
الصورة
+ الخط -
في 17 فبراير/ شباط 1992، أوقف القاضي الإيطالي أنطونيو دي بييترو، عضو الحزب الاشتراكي ماريو كييزا، بتهمة "تلقي الرشوة". ابتعد أعضاء الحزب عن الموقوف، واعتبروا أنه "خان مبادئهم". قرّر كييزا الانتقام من الجميع، فعمد إلى كشف فضائح الرشى وإفرازاتها. تشعّبت التحقيقات. بدأت الرؤوس تتهاوى. السياسيون والقضائيون والاقتصاديون والمافيا، الجميع كان متورّطاً. إنها حملة "الأيادي النظيفة" التي هزّت تسعينياتٍ إيطاليةً ساخنة. حُقق مع أكثر من خمسة آلاف شخص. نصف أعضاء البرلمان الإيطالي وأكثر من أربعمائة مجلس بلدي في ذلك الحين وضعوا في قفص الاتهام. اتسعت التحقيقات لمعرفة كيفية خسارة إيطاليا أربعة مليارات دولار سنوياً بسبب الرشى، في ثمانينيات القرن الماضي. في موازاة ذلك، باشر القاضيان، جيوفاني فالكوني وباولو بورسيلينو، تحقيقاتهما ضد المافيا الإيطالية. ومع كل توغّل في التحقيقات، كان الخطر يرتفع على حياتهما، إلى أن قضت عليهما المافيا، فالكوني في مايو/ أيار 1992 وبورسيلينو في يوليو/ تموز من العام عينه.
المحطتان أساسيتان لإنهاء مسار ما عُرفت بـ"الجمهورية الإيطالية الأولى" التي سادت بين عامي 1948 و1992. كانت إيطاليا بحاجةٍ إلى هذه الخطوة. كانت عملية تنظيفها أمراً في غاية الصعوبة، ومع أن روما لم تتمكّن من القضاء نهائياً على المافيا والفساد السياسي، إلا أنها خطت خطوة عملاقة نحو طرح مبدأ "المحاسبة"، بعد عقودٍ، إن لم يكن قرونٍ، من التراكمات السلبية للشخصية الاجتماعية الإيطالية. في الثمانينيات مثلاً، كان يندُر أن يمرّ أسبوع في باليرمو، عاصمة صقلية، من دون تصفية أشخاص ورمي جثثهم في الشوارع. حالياً باتت الأمور أكثر هدوءاً بكثير. باتت الحرب على المافيا أكثر جرأة، والفساد السياسي أقلّ سوءاً.
هذا في إيطاليا. أما في لبنان، فإن السجالات أخيراً حول محاربة الفساد تصيب المتابع بالدهشة. الجميع يتهم الجميع بالفساد والسرقة والتحايل على القانون، من دون تحرّك قضائي محدّد وشامل. حسناً، القضاء بنفسه أسير التراكمات السياسية والطائفية والحزبية. لا يمكن تعيين قاضٍ أو محامٍ في مناصب في الدولة، ما لم يكن معيّناً أو محسوباً على جهة سياسية وطائفةٍ ما. بالتالي، هذا القاضي أو المحامي لا يمكنه التحرّك من دون طلبٍ من وصيّه السياسي المباشر. ولعلّ هذا المعيار هو أكثر ما يضرّ البلاد في صميمها. فإن لم يكن القضاء بخير، لن يكون أي قطاع بخير. ولاصطلاح الأمور القضائية، يتوجّب، مثلاً، تحرير القضاء من المحسوبيات السياسية، وتركه يعمل من دون تدخّل. في الواقع، هذا صعب جداً، لأن أي قاضٍ نزيه سيخشى على حياته، سواء من الإقالة والعزل أو حتى التصفية. كما أن الأجهزة الأمنية، المفترض أن تطبّق الأحكام القضائية، تخضع أيضاً لتعيينات السياسيين وطوائفهم. يسأل بعضهم: أين دور الإعلام في هذه الظروف؟ أصلاً لا يمكن اعتبار أن جميع من يعمل في الإعلام في لبنان هو "إعلامي" أو "إعلامية". يعتبر كثيرون الصحافة مجرّد "جسر عبور"، سواء إلى حياةٍ سياسيةٍ مستمدة من الفساد القائم، أو لإشباع غرور نفسيّ ما، أو للتسويق لجهة سياسية ما على حساب أخرى، ولو بنشر وقائع كاذبة (ضمن منطق التوظيف السياسي للإعلاميين). يمكن ملاحظة ذلك في تردّي الصورة العامة للإعلام الذي بات عاشقاً لصور "السيلفي" مع السياسيين، بدلاً من محاسبتهم وسؤالهم والضغط عليهم. الناس عموماً، أي الذين لا يعملون في الوسط الإعلامي، في حاجة إلى أشخاصٍ ينقلون صوتهم.
الآن، يمكن فهم لماذا تلك المنظومة السياسية ـ القضائية ـ الإعلامية تائهة، بفعل الضغط الدولي المتأتي من مقرّرات مؤتمر "سيدر" الذي انعقد في إبريل/ نيسان الماضي، والذي نصّ على إجراء إصلاحاتٍ واسعة في لبنان، قبل تقديم الأموال التي أقرّها المؤتمر. ولولا هذا الضغط، لما رأيتم أي سياسي يهاجم آخر، فالجميع، من دون استثناء، يدين بديمومته لمنظومة الفساد اللبنانية.

دلالات