إيران وحديث المؤامرة

22 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
قد تكون السلطات الإيرانية نجحت فعلاً في احتواء الاحتجاجات التي انطلقت قبل أيام رداً على رفع أسعار الوقود ثلاثة أضعاف، ولكن كيف تم ذلك وبأي كلفة؟ لا أحد يدري. المصدر الوحيد للمعلومة حالياً هم المسؤولون الإيرانيون في ظل قطع الإنترنت. وهناك أسباب عدة تدعو إلى التشكيك والتوجس في كل ما يصدر عن قادة هذا البلد. جولة بسيطة على وكالة الأنباء الإيرانية "إرنا" تظهر قائمة طويلة من التصريحات الرسمية التي تصف ما جرى على مدى الأيام الأخيرة بـ"المؤامرة" التي تم وأدها. ولـ"المؤامرة" في القاموس الرسمي الإيراني معانٍ فضفاضة ومتشعبة لا يحتاج إدراكها إلى قراءة دراسات متعمقة في كيفية تطور هذه النظرية على مرّ التاريخ وكيف كانت السلاح الأمثل للأنظمة، بل يكفي متابعة كيف توظفها طهران في مواجهة كل ما تعتقد أنه يهدّد مصالحها. 
"المؤامرة"، بحسب الكتالوغ الإيراني، لا تنحصر على توصيف ما يجري في الداخل الذي يئن من وقع العقوبات الأميركية، وجاء قرار رفع أسعار الوقود ليؤجج الغضب الشعبي، بل تنطبق على احتجاجات العراق المستمرة منذ أسابيع، وعلى انتفاضة لبنان المستمرة للشهر الثاني على التوالي. وحكماً هي تشمل كل بقعة عربية يوجد فيها نفوذ إيراني، وتشهد حراكاً يمكن أن تكون نتائجه النهائية في غير صالحها أو يناقض المخططات التي تسعى إلى تحقيقها.
أن توجد حكومة في العراق خاضعةً في قراراتها السياسية والعسكرية، وحتى الاقتصادية، لإيران، وأن يتجول في هذا البلد المسؤولون الإيرانيون بلا حسيب أو رقيب، بل ويصدروا الأوامر للعراقيين، فتلك أفعالٌ لا تمت لـ "المؤامرة" بصلة، بل فائض في الوطنية وإدراك المصير المشترك من وجهة نظر حكام طهران. لكن أن يخرج محتجون عراقيون ضاقوا ذرعاً بسياسييهم وفسادهم وارتهانهم، المحميين من إيران الدولة الأكثر نفوذهاً في العراق حالياً بإقرار الجميع، وأن يرفعوا الصوت ضد هؤلاء جميعاً، ويهتفوا "إيران برّا برّا" بما يحمله هذا الشعار من تلخيصٍ لأزماتهم، فتلك دسيسة وراءها "الشيطان الأكبر". وباسم المصير المشترك لا مانع أن يخرج مسؤولو إيران، بمستوياتهم المختلفة، ليملوا على العراقيين وصفات "العلاج" لمواجهة المؤامرة والمتآمرين، ولكن أن تصدر أي دولة أخرى لا تتفق معها إيران موقفاً مما يجري في بلاد الرافدين، فتلك "مؤامرة".
وينطبق الأمر نفسه على لبنان. احتجاجات مئات آلاف اللبنانيين على الطبقة السياسية الحاكمة بأجمعها تحت "شعار كلن يعني كلن" مسألة لا تخلو "رغم أحقية المطالب" بحسب التوصيف الإيراني، (وهذا اعترافٌ نادر) من "مؤامرة" تعمل أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية والغربية على تنفيذها بدعم من دول رجعية في المنطقة، ما دام أن حزب الله الذي يفاخر بأن تمويله يأتي من إيران وبالدولار جزء من "كلن"، وكأن من خرجوا إلى الشارع فعلوا ذلك من أجل مواجهة الحزب، لا من أجل استعادة أبسط حقوقهم التي سلبت من الطبقة السياسية طوال مرحلة ما بعد الطائف.
هكذا بالنسبة لإيران، وبالمختصر وبكل وضوح، أينما يوجد لها حلفاء/ أتباع/ وكلاء، سواء كانوا موجودين في السلطة، أو يتأهبون للانقضاض عليها، ويمكن أن يتأثر نفوذهم جراء أي تغييرات، فهناك "مؤامرة". لكن هل يمكن أن يشهد بلد عربي أي حدث، ويصدف ألا تصنفه إيران ضمن خانة "المؤامرة"؟ نعم في اليمن. أن ينفذ الحوثيون انقلاباً على الدولة بقوة السلاح، وأن تستدعي أفعالهم تدخلاً خارجياً يدمر اليمن من شماله إلى جنوبه، فتلك ليست مؤامرة بل حكمة يستحق الحوثيون أن يكافأوا عليها بإغداق السلاح والدعم السياسي وحتى الاعتراف بهم كسلطة شرعية.
ما لا تقوله إيران إن ما تخشاه، سواء في لبنان أو العراق، أو أي بلد عزّزت نفوذها فيه واستثمرت طويلاً في دعم شخصيات فيه، وأوصلتها إلى مراكز القرار، إمكانية ولادة أنظمة ديمقراطية حقيقية لا صورية، تكون فيها السيادة الوطنية عنواناً أساسياً، لأنها ستعني حكماً تراجع تأثيرها وانتهاء صلاحية أدواتها.