إيران والكاظمي: رسائل في الميدان

06 يوليو 2020
الصورة
توقعات برد أميركي على أي استهداف (فرانس برس)

تتراكم المؤشرات التي تؤكد انطلاق مواجهة قاسية على الساحة العراقية بين رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وإيران، عبر المعسكر الموالي لها، لم تقتصر على الصراع السياسي داخل الدولة، بل تعدته إلى رسائل في الميدان، الذي تحوّل إلى صندوق بريد بين الطرفين، لتنطلق معركة النَفَس الأطول، والتي ستُظهر قدرة الكاظمي على تحجيم الأطراف الموالية لطهران المتوغّلة في مختلف مفاصل الدولة.

منذ تسلّم الكاظمي رئاسة الوزراء في 7 مايو/ أيار الماضي، بدا أن المعسكر الموالي لطهران على الساحة العراقية غير مرتاح له، خصوصاً أن رئيس الحكومة لم يتأخر لإطلاق حوار استراتيجي مع الولايات المتحدة أوائل يونيو/ حزيران الماضي لتنظيم العلاقات بين البلدين، قبل أن تتصاعد خطواته لتحجيم النفوذ الإيراني في العراق. وجاء التطور الأبرز باعتقال قوة عراقية خاصة في 26 يونيو مجموعة تتبع مليشيا "كتائب حزب الله"، بعد اتهام المجموعة بأنها كانت تخطط لمهاجمة أهداف أمنية ومناطق رسمية وبعثات دولية، وتحديداً المقار الأميركية داخل المنطقة الخضراء في بغداد، إلا أن العملية تسببت بأزمة وتوتر مع الفصائل المسلحة الموالية لطهران والتي هددت رئيس الوزراء بخطوات تصعيدية في حال لم يطلق سراح المعتقلين، وهو ما تم فعلاً، إذ تم إطلاق 13 عنصراً من أصل 14 شخصاً.

تبع ذلك إطاحة الكاظمي أول من أمس السبت رئيس "هيئة الحشد الشعبي" فالح الفياض من منصبيه كرئيس لجهاز الأمن الوطني ومستشار للأمن الوطني، وتسمية وزير الداخلية الأسبق قاسم الأعرجي مستشاراً للأمن الوطني، علماً أن مواقف الأعرجي خلال عمله في وزارة الداخلية لم تلقَ قبولاً من قبل قوى سياسية، حتى على مستوى منظمة "بدر" التي ينتمي لها، من بينها تقاربه مع دول خليجية وعربية واتخاذه قرارات مهمة على مستوى وزارة الداخلية واستقلاليتها. كما أن تسمية الجنرال عبد الغني الأسدي، الذي أحيل إلى التقاعد في حكومة عادل عبد المهدي، لرئاسة جهاز الأمن الوطني، تعتبر خطوة مقلقة أخرى لحلفاء طهران، بسبب توجهات الأسدي خلال عمله السابق رئيساً لجهاز مكافحة الإرهاب وقربه من واشنطن، وهو ما يعتبر سبباً رئيسياً في إحالته إلى التقاعد العام الماضي. وترافقت إطاحة الفالح مع كشف مصادر عراقية لـ"العربي الجديد" عن أن مستشاري رئيس الحكومة يعيدون النظر باتفاقات موقّعة في أوقات سابقة مع إيران تُعتبر مجحفة بحق العراق.

عاودت "خلايا الكاتيوشا" نشاطها مجدداً من خلال إطلاق صاروخ كاتيوشا فجر الأحد، باتجاه السفارة الأميركية

هذه الخطوات لم يكن يُتوقع أن تمرّ بلا ردّ، وهو ما حدث بالفعل وفق مراقبين ربطوا تطورات أمس الأحد بتحركات الكاظمي. فقد عاودت ما باتت تعرف محلياً بـ"خلايا الكاتيوشا"، نشاطها مجدداً من خلال إطلاق صاروخ كاتيوشا فجر الأحد، باتجاه السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، تسبّب سقوطه على مبنى قريب مأهول بالسكان في إصابة عدد من المواطنين، في الوقت الذي قالت السلطات الأمنية فيه إنها أحبطت هجوماً آخر كان يستهدف معسكر التاجي شمالي بغداد الذي يضم قوات أميركية.

وجاء إطلاق الصاروخين بعد ساعات من إجراء وحدة أميركية في بغداد تمريناً بالذخيرة الحية يحاكي سيناريوهات هجوم على مبنى السفارة الأميركية. وتوقع مسؤول في قيادة شرطة بغداد، تحدث لـ"العربي الجديد"، أن تكون منظومة الصواريخ الأميركية التي تم اختبارها سبباً في انحراف الصاروخ أو أنه تم اعتراضه وسقطت أجزاء منه على المبنى السكني. وأكد أن الهجوم أعاد التوتر الأمني في بغداد إلى مستواه السابق، حيث أعادت القوات الأمنية انتشارها في مناطق عدة من العاصمة مرشحة لأن تشهد منها إطلاق صواريخ أخرى.

وبعد ساعات قليلة من هذا التطور، كان عشرات الأشخاص يتجمّعون أمام بوابة المنطقة الخضراء محاولين الوصول إلى مقر السفارة السعودية، إثر دعوات وجهتها فصائل مسلحة وقوى سياسية مقربة من إيران، للتنديد برسم كاريكاتوري نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية الجمعة، اعتُبر مسيئاً للمرجع الديني علي السيستاني. وقال مراسل "العربي الجديد" في بغداد، إن حافلات نقلت المحتجين إلى أمام المنطقة الخضراء بينما كان أشخاص يوزعون عليهم ويافطات وصوراً مختلفة تهاجم النظام في الرياض وتمجد "الحشد الشعبي". لكن قوات الأمن العراقية منعت هؤلاء المتظاهرين من اقتحام المنطقة الخضراء، مع تلقيها أوامر بذلك، وفق ضابط في بغداد تحدث لـ"العربي الجديد". وأكدت مصادر سياسية في بغداد لـ"العربي الجديد" أن القوات الأمنية تلقت تعليمات باستخدام القوة وعدم السماح باقتحام المنطقة. ووفقاً لمصادر من داخل المنطقة الخضراء، فإن الكاظمي أوعز لقيادات أمنية بمنع تخطي المتجمعين أسوار المنطقة الخضراء، لافتة إلى أن غالبية الكادر الدبلوماسي السعودي غير موجود في بغداد حالياً.

ويشير مراقبون إلى اختلاف التعاطي الأمني بين المتظاهرين أمس، وبين ترك محتجين يصلون إلى قرب مبنى السفارة الأميركية في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2019، ومهاجمتها، وذلك احتجاجاً على استهداف واشنطن بضربات جوية قواعد عسكرية تابعة لمليشيات موالية لطهران حينها. ووفقاً لمصادر أمنية عراقية، تحدثت لـ"العربي الجديد"، فقد أجرى الكاظمي في الساعات الماضية سلسلة تغييرات واسعة في هيكل القوة المكلفة بحماية المنطقة الخضراء، وعزز القوات الموجودة بأخرى من القوات الخاصة، وهو ما قد يكون سبباً في فشل محاولات الوصول إلى السفارة السعودية أمس.

هذه التطورات يقرأها مراقبون على أنها محاولة من المحور الموالي لطهران لتطويع الكاظمي أو ثنيه عن القيام بخطوات تستهدف الشخصيات المحسوبة على هذا المحور. وقال مسؤول عراقي في بغداد، طلب عدم ذكر اسمه لـ"العربي الجديد"، إن هناك حرباً باردة لإفشال أي خطوة لحكومة الكاظمي بشأن ملفات أمنية وسياسية وحتى خدمية، لكنه أكد أن الكاظمي سيواصل حملات التغيير والإقالات في الأجهزة الأمنية وقوات الجيش وتحديداً في المناصب الحساسة لمعالجة تركة حكومة عبد المهدي، التي سمحت للمليشيات بالتوغل في كل مفاصل الدولة العراقية، متوقعاً أن تصعّد القوى السياسية والفصائل ضغطها على الحكومة من خلال تحدي الكاتيوشا واستهداف القوات الأميركية، لكن الأخطر هو مخاطر إثارة فتن طائفية من قبل وسائل إعلام وفعاليات مرتبطة بتلك القوى السياسية والفصائل المسلحة، وفق قوله. وأضاف "إجراء القوات الأميركية تمريناً بالذخيرة الحية وتعزيز أمن السفارة عبر منظومة ردع القذائف والصواريخ، يعني أن واشنطن فقدت الثقة بقدرة الكاظمي على حماية سفارتها، وهذا يعني أن أي استهداف آخر سيُقابل برد أميركي في حال تم تسجيل خسائر في صفوف الأميركيين وهو ما يعني أن الحكومة ستكون على المحك"، واصفاً الأجواء الحالية بأنها من المستحيل أن توصل إلى انتخابات مبكرة.

مسؤول عراقي: الكاظمي سيواصل حملات التغيير والإقالات في الأجهزة الأمنية وقوات الجيش وتحديداً في المناصب الحساسة

ويرى مراقبون أن المواجهة بين حكومة الكاظمي والمعسكر الحليف لإيران قد انطلقت فعلاً. وقال الخبير السياسي العراقي أحمد الحمداني، لـ"العربي الجديد"، إن المواجهة الحالية تهدف للضغط على الكاظمي وثنيه عن التحرك في أي خطوة أو اتجاه لا يتماشى مع القوى السياسية المعروفة بقربها من طهران، ولكن لا تستهدف إسقاطه، فما زال ذلك مبكراً، مضيفاً أن إطاحة فالح الفياض الأقرب لنظام الأسد وإيران واستقدام شخصيتين أقل ما يمكن تعريفهما به أنهما من غير المنخرطين في المحور الإيراني يعني أن هناك إمكانية لإقالة آخرين أقل أهمية من الفياض وقد يكون ذلك قريباً. وعما إذا كان عودة تصعيد الفصائل المسلحة بالكاتيوشا ومحاولة اقتحام المنطقة الخضراء بحجة إقامة اعتصام في محيط السفارة السعودية له علاقة بخطوات أو أداء حكومة الكاظمي، قال "بالتأكيد، الموضوع يتعلق بعدم رضا أو توجس القوى المتحالفة مع إيران من الكاظمي".