إيران... من الاقتصاد المقاوم إلى المأزوم

07 يناير 2020
الصورة
"الاقتصاد المقاوم" اطلقها خامنئي في 2020 (Getty)
+ الخط -


خلال السنوات الأخيرة ارتبط الاقتصاد الإيراني بمسميات عدة، أبرزها "الاقتصاد المقاوم"، وهي التسمية التي أطلقها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي في خطابه في أغسطس/ آب 2012، بهدف تعزيز الاعتماد على الذات كما قيل وقتها، ومواجهة العقوبات الاقتصادية والتجارية التي فرضتها الولايات المتحدة ضد إيران. 

كما أطلق مسؤولون إيرانيون على الاقتصاد الإيراني مسميات أخرى، منها "اقتصاد الممانعة والصمود"، وغيرها من المسميات التي سعى هؤلاء من خلالها إلى تحفيز الاقتصاد على الصمود والمقاومة في مواجهة العقوبات الغربية والحروب الاقتصادية والأزمات الخارجية، وحث المواطن على الاعتماد على الذات، وشراء المنتجات المحلية بدلاً من السلع المستوردة، وقبلها حثه على الصبر.

لكن العقوبات الأميركية، وقبلها العقوبات الدولية التي تم فرضها أممياً بسبب برنامج إيران النووي، تركت آثاراً خطيرة على الاقتصاد الإيراني رغم تنوع مصادره وغزارة ثرواته الطبيعية والبشرية.

فقد خلفت العقوبات معدلات بطالة وفقر أعلى، وتضخما شديدا في أسعار السلع والخدمات، وضعفا في قيمة العملة المحلية، وتهاويا في احتياطيات النقد الأجنبي، وتردياً في القطاعات الرئيسية، ومنها النفط والطيران والسياحة والصادرات، كما خلفت تظاهرات من وقت لآخر ضد السلطة الحاكمة اعتراضا على تردي الأحوال المعيشية للمواطن وضعف القدرة الشرائية.

ومع صعود دونالد ترامب إلى السلطة، اتبعت الإدارة الأميركية نهجاً تصعيدياً في مواجهة إيران خلافا لنهج باراك أوباما، إذ انسحبت واشنطن في شهر مايو/ أيار 2018، من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران ومجموعة (5+1).
ولم يكتف ترامب بذلك، بل فرض عقوبات اقتصادية شديدة على إيران استهدفت كافة شرايين الاقتصاد الرئيسية، وفي مقدمتها صادرات النفط، التي حظرتها الإدارة الأميركية بشكل كامل، بداية من يوم 2 مايو الماضي، بل وسعت إلى "تصفيرها" عبر تهديد أي دولة مستوردة لهذا النفط بمواجهة عقوبات اقتصادية قاسية تصل إلى حد منع أنشطتها في الولايات المتحدة، ومنع سلعها من دخول السوق الأميركية.

وقد استجابت كل الدول للتهديدات الأميركية بما فيها الدول التي تمتلك مصالح اقتصادية مع طهران وتعتمد اعتمادا كبيرا على النفط الإيراني مثل تركيا والهند.

كما استهدفت العقوبات الأميركية قطاعات أخرى، منها الطيران والسياحة والتعدين والاستثمارات الأجنبية المباشرة وتحويل الأموال وتمويل واردات السلع.

وعلى الرغم من تأكيد السلطات الإيرانية أكثر من مرة فشل إدارة ترامب في تصفير صادراتها النفطية رغم تأثرها الكبير بالعقوبات الأميركية، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، الشريان النفطي الذي يمر من خلاله نحو 30% من الإنتاج العالمي، والإعلان مرات عن توافر وسائل وخبرة للتحايل على مثل هذه العقوبات، إلا أن صادرات إيران من النفط الخام تقلصت بنسبة تزيد عن 80%.

وحسب تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في أغسطس الماضي، فإنّ الولايات المتحدة منعت نحو 2.7 مليون برميل من النفط الإيراني من الوصول إلى الأسواق العالمية.

ونجحت العقوبات الأميركية في تجفيف المصدر الأول لإيرادات إيران من النقد الأجنبي، بسبب حدوث تراجع حاد في الصادرات النفطية، المصدر الأول للإيرادات العامة، وكذا تراجع صادرات المعادن والبتروكيمياويات، وتأثر قطاع السياحة سلباً.
كما تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة على إيران وتحديداً في العامين 2018 و2019، خاصة تلك التي كانت تعتزم شركات نفطية عالمية كبرى ضخها في قطاعي النفط والغاز، مثل شركة توتال الفرنسية، التي أعلنت عن استثمار 10 مليارات دولار.

وكذا شركات شل البريطانية الهولندية وإيني الإيطالية وشتات أويل النرويجية وبي.بي البريطانية وإكسون وكونوكو الأميركيتان، إضافة إلى تعهد الصين باستثمار 120 مليار دولار في قطاع النفط والبنى التحتية الصناعية في إيران.

وترتبت على فرض العقوبات الأميركية على طهران زيادة منسوب المخاطر الجيوسياسية في منطقة الخليج، خصوصاً مع استهداف القوات الإيرانية منشآت وناقلات نفطية وعالمية في مياه الخليج، وتهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما لعب دوراً في إثارة ذعر المستثمرين الأجانب داخل إيران ودول المنطقة، بل وهروب أموال ضخمة من البنوك الإيرانية إلى الخارج.

كما أثر هذا التوتر سلباً على تجارة إيران الخارجية والتي سعت لتنشيطها في الفترة الماضية لتعويض النقص الحاد في إيرادات النفط والغاز.

وبشهادة الرئيس الإيراني حسن روحاني، فإنّ العقوبات الأميركية المفروضة على بلاده خفضت 200 مليار دولار من إيرادات البلاد حتى الآن، وهو مبلغ ضخم مقارنة بحجم الاقتصاد، بل واعترف روحاني قبل أيام بأنّ العقوبات خلقت ظروفاً صعبة للمواطن، و"نواجه في الوقت الحاضر أسوأ أنواع الحظر الأميركي".

هذه الظروف الصعبة هي التي دفعت المواطن الإيراني إلى الخروج في تظاهرات حادة في العديد من المدن يوم 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 عقب إعلان الحكومة المفاجئ عن زيادة كبيرة في أسعار الوقود، ليكشف هذا الحراك عن حجم الأزمة الاقتصادية الحادة وعمقها التي تعاني منها البلاد.

وعقب اغتيال قاسم سليماني، قائد لواء فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، عاد التوتر مرة أخرى إلى إيران ومنطقة الخليج، وهو ما يفاقم الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني الذي انتقل خلال سنوات قليلة من مرحلة الاقتصاد المقاوم إلى الاقتصاد المأزوم وربما الاقتصاد المنهار خلال الفترة المقبلة إذا ما تطور المشهد الحالي وخاضت إيران حرباً مكلفة اقتصادياً.

الصادرات النفطية الإيرانية تعطلت، حتى إيرادات الصادرات الأخرى تراجعت بشدة. وحسب بيانات صندوق النقد الدولي الصادرة نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فإنه يتوقع هبوط صادرات السلع والخدمات الإيرانية إلى 60.3 مليار دولار في 2019 من 103.2 مليارات دولار في العام 2018، وأن تشهد الحصيلة مزيدا من التراجع في عام 2020 لتصل إلى 55.5 مليار دولار.

كما تعاني الموازنة الإيرانية من عجز حاد، وإيران تحتاج لسعر للنفط عند 194.6 دولارا للبرميل لتحقيق التوازن في ميزانيتها للعام المقبل الذي يبدأ في مارس/ آذار 2020، كما قال صندوق النقد الدولي.

المشهد الاقتصادي الإيراني مرشح للتدهور خصوصاً على مستوى قيمة العملة الوطنية، بسبب نقص الإيرادات من النقد الأجنبي، ونزوح الأموال والاستثمارات إلى الخارج.

ومع زيادة حالة الغموض السياسي التي تمر بها إيران في الفترة الحالية، فإن الاقتصاد سينكمش أكثر وأكثر وربما لن يقف عند نسبة 9.5% التي توقعها صندوق النقد قبل شهرين.

وهذا الانكماش سيمثل تحديا كبيرا للسلطات الحاكمة، خاصة على مستوى تلبية احتياجات رجل الشارع بدون كلفة أعلى، وإلا سيخرج المواطن إلى الشارع للتظاهر عقب انتهاء زوبعة اغتيال قاسم سليماني.

المساهمون