إيران مصرّة على زيادة مبيعات نفطها.. والمصافي تستعدّ لصعود الأسعار

13 مايو 2019
الصورة
موجة العقوبات الأميركية شملت المعادن الإيرانية (الأناضول)

أفادت مصادر مطلعة على المحادثات بين إيران والاتحاد الأوروبي، بأن طهران تصرّ على تصدير ما لا يقل عن 1.5 مليون برميل نفط يومياً، بما يعادل 3 أمثال المستويات المتوقعة في مايو/ أيار في ظل العقوبات، شرطاً للبقاء في الاتفاق النووي.

وأوضحت 4 مصادر دبلوماسية أوروبية، أنه جرت اتصالات بخصوص هذا الرقم خلال اجتماعات عُقدت في الآونة الأخيرة بين مسؤولين إيرانيين وغربيين، من بينهم وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، لكنه لم يُدوّن كتابة.

كانت الولايات المتحدة أعادت فرض عقوبات على صادرات النفط الإيرانية في نوفمبر/ تشرين الثاني، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الربيع الماضي انسحاب بلاده من الاتفاق المبرم في 2015، بين إيران وست قوى عالمية لكبح برنامج طهران النووي.

وفي محاولة لوقف صادرات الخام الإيرانية بالكامل، أنهت واشنطن بداية من مايو/ أيار، إعفاءات سمحت لكبار مشتري الخام الإيراني بالاستمرار في استيراده لمدة ستة أشهر.

وتسببت العقوبات بالفعل في خفض صادرات النفط الإيرانية لأقل من النصف إلى مليون برميل يومياً أو دون ذلك، من ذروتها البالغة 2.8 مليون برميل يومياً العام الماضي. وقال مسؤول إيراني لرويترز هذا الشهر، إن الصادرات قد تهبط إلى نحو 500 ألف برميل يومياً بداية من مايو/ أيار.
وهددت إيران بغلق مضيق هرمز، وهو مسار رئيسي لشحنات النفط، وعرقلة شحنات الخام من البلدان المجاورة، إذا نجحت واشنطن في إجبار جميع الدول على وقف شراء النفط الإيراني.

وفي العام الماضي، حدد المرشد الإيراني علي خامنئي مجموعة من الشروط للقوى الأوروبية إذا أرادت استمرار التزام طهران بالاتفاق النووي، ومن بينها مواصلة مشتريات النفط الإيراني. ولم يحدد خامنئي أدنى مستوى لمبيعات النفط تقبله إيران، كي تظل ملتزمة بالاتفاق أو تبقي المضيق مفتوحاً.

ووفقاً لأحد المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، لم يكن الإيرانيون محددين، لكنهم يريدون ضمان عودة الإنتاج إلى مستويات ما قبل العقوبات. وقالت مصادر أخرى، إن طلب إيران يبدو بصفة عامة في نطاق ما بين 1.5 مليون ومليوني برميل يومياً.

ونقل أحد المصادر أن "ظريف قال تحديداً إنهم يريدون بيع مليوني برميل من النفط (يومياً)، وهو ببساطة المستوى الذي كانت تصدره إيران قبل انسحاب ترامب من الاتفاق".

وأضاف المصدر الذي حضر اجتماع نيويورك، حيث أدلى الوزير بتصريحاته: "غير أنني لا أعتقد أنه طلب جاد. فهو غير ممكن، والإيرانيون يعلمون أنه غير ممكن".
وذكر ظريف أيضاً خلال الزيارة ذاتها لنيويورك في إبريل/ نيسان، أن إيران قد لا تبيع سوى ما بين 500 ألف و700 ألف برميل من النفط يومياً.

الموازنة الإيرانية على المحكّ

نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قال الأسبوع الماضي إنه كي تظل طهران ملتزمة بالاتفاق النووي، يجب أن تصل مبيعات النفط الإيرانية إلى مستواها قبل العقوبات، أو على الأقل "تبدأ عملية العودة" إلى هذا المستوى.

وأضاف عراقجي أن إيران تشترط أيضاً أن تكون إيرادات تصدير النفط تحت تصرفها بالكامل، وتنفقها كيفما تشاء، لا فقط على الغذاء والدواء مثلما تقترح دول الاتحاد الأوروبي.

وبحسب ميزانية إيران للعام الحالي، من المتوقع أن تجني الحكومة ثلث دخلها - 1425 تريليون ريال (33.9 مليار دولار) - من صادرات النفط والغاز.

وتستند الميزانية إلى سعر متوقع للنفط يتراوح بين 50 و54 دولاراً للبرميل، وسعر صرف للدولار يبلغ 57 ألف ريال، ما يعني أن الاقتصاد الإيراني قد يظل على مسار مستدام إذا بلغت صادرات الخام 1.5 مليون برميل يومياً على الأقل.

وتشير تقديرات مسؤولي الاتحاد الأوروبي أيضاً، إلى أن إيران تحتاج لبيع 1.5 مليون برميل من النفط يومياً كي يبقى اقتصادها صامداً. وإذا قلّت الصادرات عن مليون برميل يومياً فإنها قد تجلب مصاعب وتثير أزمة اقتصادية.

وتذهب حصص من مبيعات النفط الإيرانية إلى صندوق الثروة السيادي في البلاد، وإلى شركة النفط الوطنية الإيرانية لتغطية نفقات الإنتاج وغيرها من التكاليف.

وخفض الرئيس الإيراني حسن روحاني هذا العام الحصّة المخصصة لصندوق الثروة السيادي من إيرادات النفط من 30% إلى 20%، بسبب توقعات انخفاض الصادرات من جراء العقوبات الأميركية.
وتجني الحكومة أيضاً إيرادات من تصدير الغاز إلى عدد من الدول المجاورة. وانخفضت صادرات إيران من النفط خلال العقوبات السابقة في 2012 إلى نحو مليون برميل يومياً، ما دفع التضخم إلى الصعود. وتعهد المسؤولون الإيرانيون بالحيلولة دون حدوث ارتفاعات مماثلة في الأسعار مستقبلاً.

غير أن صندوق النقد الدولي، يتوقع أن يدفع تشديد العقوبات الأميركية التضخم في إيران إلى 37% هذا العام، وهو أعلى مستوى له منذ 1995.

تلاش تدريجي للصادرات النفطية

بعد أن كانت يوماً أكبر مورد لأوروبا، شهدت إيران صادراتها تنقطع تدريجياً عن المشترين الأوروبيين.

وحتى الصين، أكبر مشتر للنفط الإيراني بواردات بلغت 475 ألف برميل يومياً في الربع الأول من العام الحالي، توقفت عن الشراء من إيران بعد أن قررت واشنطن عدم تجديد الإعفاء من العقوبات.

وقال دبلوماسي أوروبي كبير: "المشكلة الحقيقية بالنسبة لإيران هي صادرات النفط، لكنه سؤال يتعين على الإيرانيين أن يطرحوه على الصينيين والهنود. استمرار هذا الاتفاق هو التزام عالمي وليس أوروبياً فحسب كما يواصل الإيرانيون الزعم... إن أردنا إنقاذ الاتفاق، فعلى الصينيين أن يواصلوا شراء النفط".

وفي حين انتقدت بكين العقوبات الأميركية، فإن الشركات تفضل أخذ جانب الحيطة. ولم تشتر مجموعة سينوبك ولا مؤسسة النفط الوطنية الصينية، أكبر شركتي تكرير مملوكتين للحكومة الصينية، أي كميات من النفط الإيراني للتحميل في مايو/ أيار.

وتقول إيران إنها ستبيع النفط في "سوق رمادية" لتفادي العقوبات الأميركية، لكنها لم تذكر تفاصيل.

وبعد عام من انسحاب واشنطن من الاتفاق، أعلنت إيران يوم الأربعاء خطوات لتخفيف القيود على برنامجها النووي.
وفي رسائل إلى موقعي الاتفاق الباقين - بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين - حدد روحاني مهلة 60 يوماً لحماية مصالح بلاده، أو مواجهة استئناف تخصيب اليورانيوم عند مستوى عال.

لكن الرسالة لم تذكر المطالب الاقتصادية لإيران، وتحديداً حجم النفط الذي ترغب في بيعه، حسبما ذكر أحد الدبلوماسيين.

وقال مصدر آخر: "أخذوا (الإيرانيون) خطوة صغيرة بعيداً عن الاتفاق. أعتقد أنهم سيرضون بخطوة صغيرة مماثلة من أوروبا.. الخطوة المماثلة لن تكون بخصوص النفط. لا أعتقد أن هناك الكثير الذي يمكن القيام به على صعيد النفط". (الدولار= 42 ألف ريال).

شركة هندية واحدة تقبل بالبديل السعودي

كذلك نقلت رويترز عن مصادر، أن مشترياً هندياً واحداً فقط للنفط الإيراني قبل عرضاً من السعودية، بتوريد نفط إضافي لتعويض الإمدادات الإيرانية المفقودة بسبب العقوبات، واشترى مليوني برميل إضافيين من المملكة للشحن في يونيو/ حزيران.

وقالت المصادر إن السعودية خاطبت المشترين الهنود الشهر الماضي، وعرضت عليهم إمدادات إضافية لتعويض فقدان النفط الإيراني، بعد أن هددت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الكيانات التي تشتري الخام من طهران.

وكان بمقدور الهند شراء نحو 300 ألف برميل يومياً من النفط الإيراني بموجب الإعفاء. لكن واشنطن أنهت الإعفاءات الشهر الماضي، وقالت إن على المشترين أن يوقفوا مشترياتهم من النفط الإيراني وإلا واجهوا عقوبات.
ومنذ نوفمبر/ تشرين الثاني، لم يشتر نفطاً من إيران سوى شركات التكرير الحكومية، وهي مؤسسة النفط الهندية وبهارات بتروليوم ومانغالور للتكرير والبتروكيماويات وهندوستان بتروليوم، التي تشكل معاً نحو 60% من طاقة التكرير الهندية البالغة 5 ملايين برميل يومياً.

وفي الفترة بين يناير/ كانون الثاني وإبريل/ نيسان 2019، تلقت الهند نحو 304 آلاف و500 برميل يومياً من النفط الإيراني.

وقال أحد المصادر المطلعة، إن السعودية ستورد في يونيو/ حزيران 250 ألف طن إضافية (ما يعادل مليوني برميل) من النفط إلى مانغالور، للتكرير فوق طلبها المعتاد البالغ نحو 320 ألف طن (نحو 2.5 مليون برميل).

وذكر مصدر آخر، أن مانغالور للتكرير قد لا تستورد نفطاً سعودياً إضافياً، إذ أعلنت الشركة حالة القوة القاهرة وأغلقت نصف منشآتها بسبب نقص المياه، فيما رفضت مانغالور التعقيب.

مصافي آسيا تتأهب لارتفاع الأسعار

إلى ذلك، يتأهب مشترو النفط الآسيويون لصعود الأسعار في سوق الخام الفورية، في ظل شح الإمدادات العالمية بعد فرض عقوبات أميركية مشددة على منتجين، وتعطيلات في تدفقات النفط الروسي إلى أوروبا وأعمال صيانة في حقول نفط بحوض الأطلسي وآسيا.

ودفع المشترون بالفعل علاوة 6 دولارات للبرميل فوق أسعار دبي القياسية، مقابل خام سوكول الروسي تحميل يوليو/ تموز، وهي أعلى علاوة من نوعها منذ 2014، بينما بلغت علاوة العقود الآجلة لخام عمان فوق دبي 3.46 دولارات في تحميلات يوليو/ تموز، وهو أعلى مستوياتها لهذا الوقت من العام خلال 4 سنوات.
يأتي الارتفاع الكبير في العلاوات نتيجة لتضافر عوامل قلّصت الإمدادات العالمية. وأصبح المشترون الآسيويون يتنافسون بالفعل مع شركات التكرير الأميركية، على وعاء الموارد ذاته بعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الإمدادات من فنزويلا، وهو ما دفع مشترين إلى التحول صوب الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بحثاً عن شحنات بديلة.

واشنطن: الأسواق تتلقى إمدادات كافية

في هذه الأثناء، قالت وزارة الطاقة الأميركية اليوم الإثنين، إنها واثقة من أن أسواق النفط العالمية تتلقى إمدادات كافية، بعد عمليات التخريب التي تعرضت لها أربع سفن قبالة سواحل الإمارات يوم الأحد، ومن بينها ناقلتان نفطيتان من السعودية.

المتحدثة باسم الوزارة شايلين هاينس، تحدثت عن الهجمات التي وقعت قرب إمارة الفجيرة قائلة: "وزارة الطاقة على دراية بالجهود المبذولة لتعطيل شحن النفط، مثلما ذكرت حكومتا السعودية والإمارات".

وبعد الهجوم الذي لم يسفر عن أي خسائر بشرية أو تسرب نفطي، لكنه ألحق أضراراً بالغة بالسفن، قالت هاينس إن "الوزارة تراقب أسواق النفط، وهي على ثقة من أنها لا تزال تتلقى إمدادات كافية".

(رويترز، العربي الجديد)