إيران: روحاني تحت رحمة المحافظين

28 يونيو 2020
الصورة
تشتد معاناة الإيرانيين على خلفية الأزمة الاقتصادية (فاطمة بهرامي/الأناضول)
+ الخط -
لم يساهم تصاعد الضغوط الأميركية على إيران وتزايد ارتداداتها الداخلية، خلال الفترة الأخيرة، في خفض منسوب الصراع الداخلي في البلاد، بل ازداد بشكل مطرد أخيراً، لتشهد الأيام الراهنة تصاعداً لافتاً في هجمات المحافظين، ولا سيما من البرلمان الجديد الحادي عشر الخاضع لسيطرتهم بالكامل، على حكومة الرئيس حسن روحاني في عامها الأخير، محملين إياها مسؤولية تدهور الأوضاع الداخلية في إيران، والتي وصلت إلى حد المطالبة بمحاكمة روحاني. لكن، على الضفة الثانية، ترفض الحكومة تحميلها مسؤولية المشاكل، عازية إياها إلى الضغوط الاقتصادية التي تمارسها الإدارة الأميركية على شكل عقوبات شاملة وقاسية منذ عامين، بعد انسحابها من الاتفاق النووي في 8 مايو/أيار 2018.

وفي السياق، قال روحاني، أمس الأحد، إن بلاده تواجه أصعب عام اقتصادياً بسبب الضغوط الأميركية وظروف تفشي جائحة كورونا. لكن الرئيس المحافظ الجديد للبرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي زاد أخيراً من انتقاداته للحكومة، له رأي آخر، إذ اعتبر أن تأثير العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني نابع من "الفشل والضعف في الإدارة" وليس من العقوبات نفسها. وقال أول من أمس السبت، في تصريحات نقلتها وكالة "فارس" المحسوبة على الخط المحافظ، إن "جذور الفساد والتمييز وتأثير العقوبات تعود إلى الإخفاق والضعف في الإدارة". واعتبر أن مشكلة إيران "ليست شح الإمكانيات والموارد بل سوء الإدارة".

وفي هذا الإطار، صعّد البرلمان الإيراني الجديد انتقاداته وهجماته على إدارة روحاني، ليطالبه رؤساء 12 لجنة نيابية في رسالة حادة مفتوحة، الجمعة الماضي، تشبه البيان الاحتجاجي، بـ"تغيير مسار إدارته المستمر عليه منذ 7 سنوات"، أي منذ توليه الرئاسة عام 2013. وحذر هؤلاء المشرعون، الذين يتولون رئاسة أهم اللجان البرلمانية، من خطورة الأوضاع الداخلية في البلاد، داعين روحاني إلى معالجتها قبل فوات الأوان.

لكن النائب الأصولي عن مدينة مشهد الدينية نصر الله بجمانفر ذهب أبعد من ذلك، في مقابلة مع وكالة "نسيم" الإيرانية، مطالبا بمحاكمة روحاني والرئيس السابق للبرلمان الإيراني علي لاريجاني، وهو شخصية محافظة معتدلة، لضلوعهما، بحسب قوله، في إشعال الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، واستمرت نحو أسبوع وأسفرت عن مقتل 230 شخصاً، حسب الأرقام الرسمية التي كشف عنها رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي البرلمانية مجتبى ذو النور.

أما الرئيس الإيراني فيحاول، أمام هذه الهجمات، من جهة، رمي الكرة في الملعب الأميركي، مرجعاً جل المشاكل الاقتصادية إلى الضغوط والعقوبات، ومن جهة أخرى يتبع، على عكس نهجه خلال الأشهر الماضية، لغة المهادنة وأحياناً المغازلة في مواجهة هجمات المحافظين المسيطرين على معظم مؤسسات الحكم، في خطوة تهدف على ما يبدو إلى إنهاء الفترة المتبقية من ولايته الثانية، وهي أقل من عام، بسلام ومن دون تصعيد مماثل، حفاظاً على مستقبله السياسي.

وفي السياق، أكد روحاني، في حديثه أمام اللجنة الوطنية لمكافحة كورونا أمس الأحد، أن "اليوم ليس وقت المنازلة بين السلطات الثلاث"، داعياً إلى "الوحدة والتعاون بين جميع القوى في البلاد"، معتبراً أن "العلاقات الحميمية والوطيدة بين هذه السلطات هي الحل الوحيد ولا حل آخر" للمشاكل، حسب قوله. وتجنب روحاني، خلال كلمته أمام لجنة مكافحة كورونا، الرد على رسالة البرلمانيين الحادة، والتي طالبوا فيها بتغيير نهجه في إدارة البلاد، لكن المتحدث باسم الحكومة رد عليها بطريقة هادئة، معتبراً أن لغتها "غير بناءة وتتسم بطابع التحدي، ولا تبعث على الأمل بين المجتمع"، معلناً استعداد الحكومة للتعاون مع السلطات الأخرى لحل المشاكل، مع دعوته الجميع إلى تحمل مسؤولية الوضع الراهن.

عموماً، يظهر سلوك روحاني، خلال الفترة الأخيرة، أنه لم يعد يظهر أمام خصومه السياسيين بتلك اللغة الهجومية التي اعتاد عليها خلال السنوات الماضية، حيث كان يطالب تارة بالمزيد من الصلاحيات لإدارة البلاد في هذه الظروف الصعبة، قائلاً، في مواجهة المطالب الأصولية، إنه "ينبغي أن تكون المطالب من رئيس الجمهورية بحجم قدراته وفي مجالات صلاحياته"، وتارة أخرى، كان روحاني يستنجد بالشارع، من خلال المطالبة بالاستفتاء على قضايا حساسة، داخلياً وخارجياً، كمفتاح لحل مشاكل البلاد، وفي مقدمتها العلاقات مع الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص، لحسم الجدل بشأن "التعامل البنّاء أو المواجهة مع العالم منذ 40 عاماً"، كما قال في تصريحات في أكتوبر/تشرين الأول 2019. ويرى أن مفتاح حل الأزمة الاقتصادية لإيران هو تحسين هذه العلاقات، لكنه واجه طيلة سنوات حكمه عقبات داخلية كبرى حالت دون تحقيق ذلك، فضلاً عن أن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، والذي أطاح إنجازه الوحيد في السياسة الخارجية، عزز موقف القوى الداخلية الرافضة لأي علاقات وتفاوض مع واشنطن، وفي مقدمتها "الحرس الثوري"، على حساب سياسات الحكومة الرامية للتقارب مع الغرب.

وأخيراً، فإن الهجمات المتزايدة على سياسات روحاني وحكومته، رغم ما يصوغه المحافظون من تبريرات ومسوغات، ليست بعيدة عن دافع انتخابي، في سياق التحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة، المزمع إجراؤها في مايو 2021، لانتزاع المنصب من الإصلاحيين والتيار الاعتدالي، وذلك بعد نجاح التيار المحافظ في السيطرة على البرلمان بشكل مطلق، خلال الانتخابات التشريعية التي أجريت في 21 فبراير/شباط الماضي، في عملية انتخابية، كان التنافس فيها بين المرشحين المحافظين أنفسهم، بعد استبعاد المرشحين الإصلاحيين من السباق الانتخابي من قبل مجلس صيانة الدستور، الأمر الذي تسبب في تسجيل أدنى مستوى مشاركة في الانتخابات منذ 40 عاماً، وصلت إلى نحو 42 في المائة.

لكن في خضم هذه التجاذبات السياسية وسعي المحافظين لإحكام سيطرتهم على مقاليد الحكم في البلاد، من خلال إقصاء كامل للإصلاحيين، تشتد معاناة الشارع الإيراني على خلفية الأزمة الاقتصادية المستفحلة، والارتفاع المستمر في الأسعار، وهو لا يكترث كثيراً لهذه الصراعات، وسط تحذيرات من الخبراء من تفاقم الوضع أكثر مما هو عليه اليوم خلال الأشهر المقبلة، لتعود الاحتجاجات إلى المدن وأريافها مرة أخرى، بسبب تردي الوضع المعيشي، على غرار ما حدث نهاية 2018 ومطلع 2019، وخلال نوفمبر الماضي، عندما شهدت إيران حركة احتجاجية واسعة في معظم المدن إثر رفع أسعار البنزين ثلاثة أضعاف.

المساهمون