إيران: خلاف بين القضاء وبرلماني يؤجج صراع المحافظين والإصلاحيين

إيران: خلاف بين القضاء وبرلماني يؤجج صراع المحافظين والإصلاحيين

29 نوفمبر 2016
الصورة
وصف صادق لاريجاني اتهامات صادقي بالافتراءات (عطا كيناري/فرانس برس)
+ الخط -
من جدل إلى آخر، تنتقل صورة التنافس والصراع السياسي بين التيارين، المحافظ والإصلاحي، في إيران، والذي بات على شاكلة تبادل تهم تتصاعد حدتها بين الحين والآخر. وقد أجج الخلاف الذي وقع بين رئيس السلطة القضائية، صادق لاريجاني، والنائب الإصلاحي، محمود صادقي، حدة هذه المعادلة أخيراً، فقد اتهم الأخير لاريجاني بالفساد والاختلاس خلال جلسة برلمانية، حين طرح سؤالاً على وزير الاقتصاد، علي طيب نيا عن حسابات رئيس السلطة القضائية، والتي قيل إن كل مبالغ كفالات المعتقلين والسجناء ممن يطلق سراحهم تحول إليها، معتبراً أنه يحق له طرح سؤال من هذا النوع كونه رئيس لجنة الانضباط المالي البرلمانية، وهو ما أثار انتقادات لاريجاني والمؤيدين له.

وتوجه عناصر من الشرطة، في وقت متأخر ليل أول من أمس، إلى منزل صادقي لاعتقاله، بأمر من السلطة القضائية، فرفض الامتثال لأوامرهم واعتصم في منزله. وحاول كثر، بوسائل شتى، إقناع الجهاز القضائي بالعدول عن قراره، ومنهم رئيس مجلس الشورى الإسلامي، علي لاريجاني، شقيق صادق لاريجاني، والذي اعتبر أن النيابة العامة لا تملك ترخيصاً للقيام بهذا العمل، بحسب ما نقلت عنه المواقع الإيرانية. وتجمع حوالي 60 شخصاً، بينهم نشطاء سياسيون وصحافيون، أمام منزل البرلماني الإصلاحي، معترضين على محاولة اعتقاله حتى فجر أمس، ملبين دعوة الجهات الإصلاحية التي طلبت مساندة النائب عن دائرة العاصمة طهران. وانتهى التجمع، بعد أن طلب شقيق البرلماني علي صادقي فضه، قائلاً إن الظروف الراهنة في إيران تتطلب الهدوء وتحقيق الانسجام الداخلي. وأشار إلى أن تصريحات شقيقه لم تكن تهدف إلى تشويش الرأي العام الإيراني أو إثارة بلبلة، ولا حتى توجيه تهم لشخص بعينه، مضيفاً إن "رئيس السلطة القضائية وأعضاء النيابة العامة يستحقون الاحترام"، وهذا ما أدى إلى تهدئة الأجواء، فانسحب المتضامنون، وانتهت الليلة من دون اعتقال صادقي كذلك. ونشر النائب محمود صادقي، رسالة صوتية تبادلتها المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، شكر فيها من وقف بجانبه، خصوصاً رئيس البرلمان علي لاريجاني، وأعضاء الهيئة الرئاسية، وأثنى على موقف رئيس جبهة الأمل الإصلاحية، محمد رضا عارف، الذي رأى بدوره أن ما جرى نقض للدستور الذي يسمح للنواب بإبداء وجهات نظرهم حول عمل أي مسؤول وأي قضية تعني البلاد، كما لا يحق لعناصر الشرطة تنفيذ أمر الاعتقال في وقت متأخر من الليل.

على الطرف المقابل، نقلت وكالة أنباء "فارس"، المحسوبة أكثر على الطيف المتشدد في التيار المحافظ، عن مصدر وصفته بالمطلع قوله إن قرار اعتقال صادقي لا يرتبط بالتهم التي وجهها إلى الجهاز القضائي، وإنما بشكوى مقدمة منذ أشهر من قبل طلاب جامعيين بحق صادقي الذي بات معروفاً بنشر الافتراءات. وأكد المصدر أن "النيابة العامة أبلغت صادقي، مرات عدة، بالحضور أمام المحكمة للدفاع عن نفسه ولم يمتثل لأوامرها، كما خاطبت الهيئة البرلمانية الرئاسية، ولم ينصاع للأوامر كذلك، وهو ما استلزم إرسال عناصر من الشرطة لمنزله، لكنه رفض مرافقتهم وفضل إثارة البلبلة". وقال عضو اللجنة القضائية في البرلمان، محمد جواد فتحي، إنه لا يملك أية معلومات حول مخاطبة الهيئة الرئاسية، لكن حتى بوجود واقع أنه تم إرسال مذكرة لصادقي، فإنه ليس من المناسب إرسال عناصر لاعتقال نائب برلماني منتصف الليل، وقبل يوم من عطلة رسمية، مؤكداً أنه تواجد في منزل هذا النائب، وأنه كان ممن طلبوا من المتجمعين فض اعتصامهم حتى لا يستغل من وصفهم بالأطراف الخارجية هذا الأمر لصالحهم.


ومحمود صادقي، هو نجل رجل الدين، محمد حسين صادقي، الذي درس في الحوزة العلمية في قم، وشارك في الثورة الإسلامية الإيرانية، واعتقل في زمن الشاه محمد رضا بهلوي الذي خلعته الثورة، وتولى مسؤوليات عدة زمن الجمهورية الإسلامية، منها رئاسة محكمة الثورة، وأصبح نائباً في مجلس الشورى الإسلامي إلى حين مقتله بتفجير وقع في مقر حزب الجمهورية الإسلامية في العام 1981. وصادقي الابن من مواليد مدينة قم في العام 1962، وهو سياسي إصلاحي، أكاديمي وباحث ويحمل شهادة دكتوراه في الحقوق، ويترأس لجنة النقابات الإيرانية. ونشر كتباً وتحقيقات ودراسات عدة في مجال حقوق المرأة، وحقوق العائلة، وحقوق انتقال ونقل التكنولوجيا والتقنيات، كما كان مستشاراً لوزير التعليم العالي بين العامين 2013 و2015، وترأس كلية الحقوق في جامعة "تربيت مدرس" المعروفة، وكان وكيلاً قضائياً في محاكم وزارة العدل.

وأثارت اتهامات صادق للاريجاني الجدل في الداخل الإيراني، حيث وصفها لاريجاني بأنها افتراءات، مؤكداً أن الحسابات تعود إلى السلطة القضائية لا لشخصه. وقال، خلال مؤتمر لقوات التعبئة أخيراً، إنه ذهب للمرشد الأعلى، علي خامنئي، مرتين، وقال له إن "البعض يقولون إنك ستعين آية الله أحمد جنتي رئيساً للسلطة القضائية بدلاً عني بسبب ما يقال، لكن المرشد ضحك على هذا الكلام". وانتقد لاريجاني أيضاً دور الرئيس الإيراني، حسن روحاني، وحتى موقف شقيقه علي لاريجاني، بعد احتجاجهما على منع محاضرة لنائب الأخير، علي مطهري في مدينة مشهد أخيراً، واعتبرا أن على السلطة القضائية متابعة الموضوع، بينما "لم يقف هؤلاء بوجه من يوجه تهما وافتراءات واهية"، حسب قوله. وقبل حوالي الأسبوع، أثارت هذه النقطة جدلاً ثانياً، حيث فوجئ مطهري، الذي كان يستعد لإلقاء محاضرة بعنوان "تحليل واقعة كربلاء"، بقرار الادعاء العام بإلغائها، مطالباً روحاني باتخاذ خطوات وإلا سيستخدم صلاحياته البرلمانية، موجهاً أصابع الاتهام إلى إمام صلاة جمعة مشهد، سيد أحمد علم الهدى، وهو ما فتح عليه نار المحافظين، فيما طالب روحاني السلطة القضائية بالوقوف بوجه من يعاند القانون وحرية التعبير. وبرر المحسوبون على التيار الأصولي الأمر برفض جامعة كرمان استقبال مطهري كونه يثير الجدل دائماً، وسيتجاوز الدين ليتحدث عن السياسة.

ومطهري هو نجل رجل الدين مرتضى مطهري، أحد مؤسسي الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد احتج هذا النائب، في دورة برلمانية سابقة، على طريقة التعامل مع احتجاجات الحركة الخضراء في العام 2009، وهو ما جعله محط انتقاد بالنسبة لعدد من المتشددين من المحافظين، بل وطالب علناً في قاعة البرلمان برفع الإقامة الجبرية عن رموز هذه الحركة، مير حسين موسوي ومهدي كروبي، المتهمين بالخيانة، وهو ما عرضه إلى انتقادات حادة، بل وتعرض إلى اعتداء في شيراز العام الماضي. ويبقى العام 2009 محطة مفصلية في تاريخ الخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران، وهو خلاف يصفه البعض في الداخل بأنه طبيعي طالما أن الكل يشاركون في العملية السياسية، لكن لا يمكن تجاوز واقع أن الإصلاحيين، الذين غابوا عن المشهد السياسي منذ تلك الأزمة، بدأوا بالعودة إليه تدريجياً مع وصول المعتدل روحاني لسدة الرئاسة.

المساهمون