إيران تلعب ورقة "النووي"... ما هي دوافعها الاقتصادية؟

08 مايو 2019
الصورة
ازدياد الأزمات الاقتصادية في إيران (العربي الجديد)
+ الخط -

قررت إيران اليوم تعليق بعض تعهداتها في الاتفاق النووي التاريخي المبرم عام 2015 مع الدول الكبرى، بعد عام على القرار الأميركي بالانسحاب من الاتفاق، مهددة باجراءات إضافية خلال 60 يوما في حال لم تطبق الدول الموقعة على الاتفاق بعض التزاماتها. 

وتركن طهران إلى المادتين 26 و36 في الاتفاق. الأولى تؤكد عدم عودة العقوبات في حال عدم إخلال طهران بالاتفاق النووي، والثانية تنص على إمكانية الانسحاب من الاتفاق جزئياً أو كلياً، في حال الإخلال به من الأطراف الأخرى الموقعة عليه... فما هي الأسباب الاقتصادية التي دفعت إيران إلى لعب ورقة "النووي" اليوم؟

عودة العقوبات الأميركية


انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الموقع مع إيران في 8 أيار/مايو 2018، معلناً إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران. وذلك، بعدما أتاح الاتفاق الموقع بين إيران والولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في العام 2015، رفع العقوبات عن البلاد مقابل التزامها بعدم امتلاك السلاح النووي.


وبانسحابها منه، أمهلت واشنطن الشركات الأجنبية العاملة في المجالات المنصوص عليها في العقوبات، 90 يوما إلى 180 يوماً لوقف تعاملها مع إيران. وأعلنت فرنسا وألمانيا وبريطانيا "تصميمها على ضمان تطبيق الاتفاق" و"الحفاظ على الفوائد الاقتصادية" لصالح الشعب الإيراني.

وحذّر الرئيس الإيراني حسن روحاني من أن بلاده يمكن أن توقف تطبيق القيود التي وافقت عليها بالنسبة إلى برنامجها النووي، وأن تستأنف تخصيب اليورانيوم بدرجات أعلى إذا لم تؤد المفاوضات مع الأوروبيين والروس والصينيين إلى النتائج المرجوة.

في الثاني من تموز/يوليو 2018، أعلنت الولايات المتحدة أنها عازمة على خفض صادرات النفط الإيراني "إلى الصفر". وأعادت واشنطن في 7 آب/أغسطس، بشكل أحادي فرض عقوبات اقتصادية قاسية. وشملت هذه العقوبات تعطيل معاملات مالية وواردات المواد الأولية، إضافة إلى إجراءات عقابية في مجالي صناعة السيارات والطيران المدني.

في اليوم ذاته، أعلنت شركة "ديملر" الألمانية الأولى عالمياً في مجال السيارات الفاخرة والشاحنات، وقف أنشطتها في إيران. وقبل ذلك بأيام، أعلن المصنعان الفرنسيان "رينو" و"بي إس آ" للسيارات وضع حد لأنشطتهما في إيران ومشاريعهما لإنتاج سيارات في هذا البلد.

وفي 20 آب/أغسطس، تخلت شركة "توتال" النفطية الفرنسية العملاقة عن مشاريعها في إيران التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وتلتها في هذه الخطوة شركات أجنبية كبرى أخرى. وفي 5 تشرين الثاني/نوفمبر، دخلت العقوبات الأميركية على القطاعين النفطي والمالي الإيرانيين حيز التنفيذ.


وفي 22 نيسان/إبريل، قرر ترامب وضع حد اعتبارا من الأول من أيار/مايو للإعفاءات التي تسمح لثماني دول (الصين، الهند، تركيا، اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان، إيطاليا، اليونان) بشراء النفط الإيراني رغم العقوبات الأميركية. 


التداعيات الاقتصادية

تأثر الاقتصاد الإيراني كثيراً نتيجة العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على البرنامج النووي للبلاد. وفي العام التالي بعد الاتفاق النووي، انتعش الاقتصاد الإيراني ونما الناتج المحلي الإجمالي في العام 2016 بنسبة 12.3%، وفقا للبنك المركزي الإيراني.

ولكن يعزى الكثير من هذا النمو إلى صناعة النفط والغاز، وفق تقرير "بي بي سي" البريطانية، ولم يكن انتعاش القطاعات الأخرى بنفس القدر الذي كان يأمله الكثير من الإيرانيين.

تراجع النمو مرة أخرى 3.7% في عام 2017، مما أطلق أكبر الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران في ديسمبر/ كانون الأول من العام ذاته.

تسببت إعادة فرض العقوبات الأميركية في العام الماضي، خاصة التي طاولت قطاعات الطاقة والشحن والمالية في تجفيف الاستثمارات الأجنبية وضرب صادرات النفط في طهران. كذا، منعت العقوبات الشركات الأميركية من التجارة مع إيران، وكذلك مع الشركات الأجنبية أو الدول التي تتعامل مع إيران.

نتيجة لذلك، تقلص الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنسبة 3.9% في عام 2018، وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي. وتوقع الصندوق انكماشاً بنسبة 6% في 2019. 

وخسر كلٌّ من إيران والشركات الأوروبية صفقات في مجال صناعة السيارات ومبيعاتها ومجال صناعة الطيران والتمويل المصرفي أكثر من 60 مليار دولار، بسبب إعلان ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي.

خسائر نفطية

في بداية عام 2018، بلغ إنتاج إيران من النفط الخام 3.8 ملايين برميل يوميًا، وفقًا للبيانات التي جمعتها منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). وكانت البلاد تصدر نحو 2.3 مليون برميل يومياً.

تم شراء معظم النفط من قبل ثمانية بلدان أو أقاليم مُنحت من الولايات المتحدة إعفاءات لمدة ستة أشهر عندما دخلت العقوبات على قطاع الطاقة الإيراني حيز التنفيذ، وهذه الدول هي الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وتركيا واليونان وإيطاليا.

بحلول مارس/ آذار 2019، انخفضت صادرات النفط الإيراني إلى 1.1 مليون برميل في المتوسط ​، وفقاً لشركة الاستشارات SVB للطاقة الدولية. وأوقفت تايوان واليونان وإيطاليا الواردات بالكامل، في حين أن أكبر المشترين، الصين والهند، خفضتا هذه الواردات بنسبة 39% و47% على التوالي، وفق تقرير "بي بي سي".

وقدر مسؤول أميركي أن الحكومة الإيرانية خسرت أكثر من 10 مليارات دولار من الإيرادات نتيجة لذلك.

بعدها، أعلن الرئيس ترامب أنه "يعتزم رفع صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر"، عندما قرر السماح بوقف الإعفاءات النفطية في 2 مايو/ أيار الحالي. وأصرت الصين على تجارتها مع إيران، وقالت تركيا إنها لا تستطيع قطع العلاقات مع أحد الجيران.

تضرر العملة المحلية

حافظت حكومة الرئيس حسن روحاني على استقرار العملة الإيرانية لمدة أربع سنوات تقريبًا. لكنها فقدت ما

يقرب من 60% من قيمتها مقابل الدولار في السوق غير الرسمية منذ أن أعيد فرض العقوبات الأميركية، وفقا لتقرير "بي بي سي".

يستخدم السعر الرسمي الثابت البالغ 42000 ريال للدولار في نطاق محدود من المعاملات، لذلك يعتمد معظم الإيرانيين على تجار العملة. 

وكشفت مواقع مختصة بأسعار صرف العملات أن الريال الإيراني واصل تراجعه أمس الثلاثاء، إلى 154 ألف ريال للدولار في السوق غير الرسمية، في أدنى قيمة للعملة منذ أوائل أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

وعُزي انخفاض قيمة الريال إلى مشاكل إيران الاقتصادية وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية بين الإيرانيين العاديين الذين رأوا أن قيمة مدخراتهم تتآكل وسط تخوف من تفاقم الوضع.

واستعاد الريال بعض قيمته منذ سبتمبر/ أيلول 2018، عندما أصدر البنك المركزي الإيراني المزيد من الدولارات في السوق واتخذت السلطات إجراءات صارمة ضد تجار العملة حيث وصلت الأسعار إلى مستوى قياسي بلغ 190000 ريال للدولار.

كما أدت مشاكل العملة الإيرانية إلى نقص السلع المستوردة، وقد تمكن الرئيس روحاني من خفض التضخم إلى 9% في عام 2017، وفق أرقام رسمية.

لكن صندوق النقد الدولي يقدر أنه ارتفع إلى 31% في عام 2018، ويتوقع أن يصل إلى 37% أو أكثر هذا العام إذا استمرت صادرات النفط في الانخفاض.

كما تضرر الفقراء بشدة من زيادة بنسبة 20% في تكاليف السكن والخدمات الطبية في العام الماضي.

المساهمون