إيران تترقب زيارة مستشار الرئيس الفرنسي: هل ينجح بإنقاذ الاتفاق النووي؟

09 يوليو 2019
الصورة
تتحدث إيران عن رفضها التام للتفاوض بالمرحلة الراهنة (Getty)
بعد يومين من تنفيذ إيران المرحلة الثانية من تقليص تعهداتها النووية، يتوقع وصول كبير مستشاري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إيمانويل بون، اليوم الثلاثاء، إلى طهران، في زيارة تستغرق يومين، وتأتي في إطار مساع فرنسية لإنقاذ الاتفاق النووي.

واستبق مجلس الأمن القومي الإيراني وصول الضيف الفرنسي، ليؤكد أن جدول أعمال الزيارة هو بحث آخر خطوات أوروبا في تنفيذ تعهداتها، في حين أكد رئيس هيئة الأركان العامة الإيرانية، اللواء محمد باقري، أن خطوات بلاده لتقليص تعهداتها النووية تأتي ضمن استراتيجية جديدة تحمل عنوان "المقاومة الفعالة"، قال إن إيران تمارسها منذ أيار/مايو في "مرحلة زمنية لا نخشى فيها من الحرب ولا نرحب بها، ونرفض بشكل قاطع التفاوض الذي يعني الاستسلام".

وأعلنت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن إيمانويل بون، المستشار الدبلوماسي لماكرون، سيلتقي صباح غدٍ الأربعاء، أمين المجلس علي شمخاني.

وفيما أكد المجلس في بيان قصير، أن اللقاء بين شمخاني وبون سيبحث في المستجدات بشأن تنفيذ الدول الأوروبية تعهداتها إزاء الاتفاق النووي في مواجهة "العقوبات الأميركية الأحادية"، أعلنت الرئاسة الفرنسية، أمس الإثنين، أن زيارة المسؤول الفرنسي تهدف إلى "التخفيف من حدة التوتر" حول الملف النووي.


وأضافت الرئاسة أن بون "سيزور طهران لإيجاد عناصر تساهم في التخفيف من حدة التوتر، مع خطوات يجب أن تتخذ فوراً قبل 15 يوليو (تموز)"، دون تقديم مزيد من الإيضاحات.

وكان بون قد زار طهران خلال الشهر الماضي، في زيارة لم يعلن عنها مسبقاً، أظهرت التطورات المرتبطة بالاتفاق النووي التي حصلت بعدها أنها لم تكن زيارة ناجحة.

وزيارة بون الجديدة إلى طهران، تأتي بعد اتصال هاتفي أجراه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ليل السبت الماضي، عشية انتهاء مهلة الـ60 يوماً بنظيره الإيراني حسن روحاني، ووصفه مساعد الشؤون السياسية للخارجية الإيرانية، عباس عراقجي، حين الإعلان عن تنفيذ المرحلة الثانية من تقليص بلاده تعهداتها النووية، الأحد الماضي، بأنه "كان بنّاء"، وأن الرئيسين أجريا "مباحثات جيدة".

وفي بيان نشره موقع الرئاسة الإيرانية حول الاتصال، ورد أن ماكرون وعد روحاني ببذل مساع للوصول إلى "هدنة اقتصادية" في الحرب الاقتصادية التي تشنها الإدارة الأميركية على إيران، بعد انسحابها من الاتفاق النووي العام الماضي.

وتعليقاً على فحوى الاتصال الهاتفي بين روحاني وماكرون، أوضح بيان أصدره مكتب الأخير أن "رئيس الجمهورية اتفق مع نظيره الإيراني على أن يستكشف بحلول 15 يوليو/ تموز شروط استئناف الحوار بين الأطراف".

واليوم، فيما يصل مستشار ماكرون إلى إيران، قد يكون على جدول أعمال زيارته أيضاً التحضير لإجراء هذه المباحثات التي علّق عليها المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، أمس الإثنين، خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، بالقول "لا نعلم عنها".

ويترقب العالم نتائج الحراك الفرنسي، وما إذا كان سينجح في إنقاذ الاتفاق النووي أم لا، ومن ثم وضع حد للتوتر بين طهران وواشنطن ثانياً، وهو توتر نجم بالأساس عن انسحاب الأخيرة من الاتفاق. لكن نجاح الحراك، بحسب إيران، يتوقف على وفاء بقية أطراف الصفقة النووية بالتزاماتها، ليعيد لها مكاسبها الاقتصادية المصفرة بفعل الانسحاب الأميركي من الصفقة، أو جزء منها، في المجالين النفطي والمصرفي.

وتأتي زيارة مستشار ماكرون على وقع بدء إيران تنفيذ المرحلة الثانية من تقليص تعهداتها النووية، اعتباراً من الأحد الماضي، والتي بموجبها تخطت عتبة الـ3.67 في تخصيب اليورانيوم، وهو الحد المسموح به في الاتفاق النووي، لتعلن منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، أمس الإثنين، أن إيران بالفعل تجاوزت العتبة لتوصل النسبة إلى 4.5 في المائة صباح أمس.

وبعد تدشين المرحلة الجديدة، أطلقت إيران تهديدات "لافتة"، من خلال الحديث عن أن رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 20 في المائة، وكذلك الانسحاب من الاتفاق النووي، قد يكونان من ضمن خيارات المرحلة الثالثة من تقليص التعهدات، والتي ستبدأ، بحسب إيران، في السابع من أيلول/سبتمبر المقبل، بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً الثانية، ما لم تنفذ الأطراف الأوروبية الشريكة في الاتفاق النووي مطالبها المتمثلة في تسهيل بيع نفطها ومعاملاتها المصرفية مع العالم.

ورفعت إيران سقف تهديداتها حول خيارات المرحلة الثالثة خلال اليومين الأخيرين، بينما تفادت التصعيد بشكل ملحوظ في تنفيذ المرحلة الثانية من تخفيض التعهدات النووية، بحيث أوقفت فيها تعليق تنفيذ تفعيل مفاعل آراك، كانت قد أعلنت سلفاً أنه من ضمن تقليص التعهدات في هذه المرحلة، واكتفت برفع تخصيب مستوى اليورانيوم بنسبة قليلة، وسط حديث عن أن أبواب الدبلوماسية لا تزال مفتوحة.

ويبدو أن التهديدات الإيرانية بعد تدشين المرحلة الثانية تأتي من جهة بدافع الرد على ردود الفعل الغربية، وخاصة الأوروبية، على رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، ومن جهة أخرى لتكثيف الضغط على الجانب الأوروبي للتجاوب مع المطالب الإيرانية خلال مهلة الـ60 يوماً الأخرى.

وبالتزامن مع زيارة بون المرتقبة، حث الاتحاد الأوروبي إيران اليوم الثلاثاء على التراجع عن رفع مستوى تخصيب اليورانيوم. وقالت متحدثة باسم الاتحاد الأوروبي للصحافيين "نواصل حث إيران على عدم اتخاذ مزيد من الإجراءات التي تقوض الاتفاق النووي لوقف كل الأنشطة التي لا تتفق مع خطة العمل الشاملة المشتركة، وعلى التراجع عنها، بما في ذلك إنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب". 

استراتيجية "المقاومة الفعالة"

إلى ذلك، أكد رئيس هيئة الأركان العامة الإيرانية، اللواء محمد باقري، اليوم الثلاثاء، أن خطوات بلاده لتقليص تعهداتها النووية، تأتي ضمن استراتيجية جديدة تحمل عنوان "المقاومة الفعالة"، وقال إن إيران تمارسها منذ أيار/مايو في "مرحلة زمنية لا نخشى فيها من الحرب ولا نرحب بها ونرفض بشكل قاطع التفاوض الذي يعني الاستسلام".

وأضاف باقري، وفقا لما أوردته وكالة "تسنيم" الإيرانية، أن "نظام الجمهورية الإسلامية في إيران صبر لعام على إخلاف الغرب بوعوده تجاه الاتفاق النووي"، مشيراً إلى أن بلاده طمأنت خلال هذا العام العالم بأنها ملتزمة بتعهداتها.

وفيما تثقل العقوبات والضغوط الاقتصادية كاهل الاقتصاد الإيراني، قال رئيس هيئة الأركان الإيرانية إنها "تمثل عنصراً دافعاً لبذل جهد أقصى للوصول إلى الاكتفاء الذاتي"، رابطاً نجاح إيران في مواجهة السياسات الأميركية بتحقيق هذا الاكتفاء و"الاستغناء عن الأجانب والوقوف على القدمين".

وفي السياق، أوضح باقري أن القوات المسلحة الإيرانية "حققت مستوى مطلوباً في الردع الدفاعي"، مشيراً إلى إسقاطها الطائرة الأميركية المسيرة من طراز "غلوبال هوك" المتطور خلال الشهر الماضي بالقرب من مضيق هرمز من جهة بحر عمان.

وعزا رئيس هيئة الأركان العامة الإيرانية احتجاز بريطانيا لناقلة نفط إيرانية في مضيق جبل طارق في الرابع من الشهر الحالي إلى حادثة إسقاط الطائرة الأميركية، قائلاً إن الإجراء البريطاني جاء انتقاماً لهذه الحادثة.

وفيما اعتبر الحجج البريطانية لإيقاف الناقلة "اتهامات واهية"، أكد على أن "هذه الخطوة المخزية لن تبقى من دون رد، وأن الرد عليها سيكون عند الضرورة في الزمان والمكان المناسبين".


ولفت إلى أن بلاده "لها اليد العليا" في المواجهة مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن "العدو فشل في تحقيق أهدافه، وهو احتقر لدرجة لا يعرف كيف يتصرف".

وفي السياق ذاته، رأى قائد القوات البرية في الحرس الثوري الإيراني، محمد خاكبور، أن إيران "تحولت إلى قوة معتبرة في المنطقة لم تعد تحتملها أميركا"، معتبراً أن إسقاط القوة الجوفضائية للحرس الطائرة المسيرة الأميركية أخيراً "غيّر الظروف لصالح الجمهورية الإسلامية ونال من الهيمنة الأميركية".

وأضاف خاكبور أن "القوات البرية للحرس تضع على جدول أعمالها عقيدة مهاجمة عمق العدو، والتي أجرت تمرينات عسكرية حول ذلك في مناورات النبي الأعظم الـ12".

من جهته، قال القائد العام لـ"الحرس الثوري الإيراني" حسين سلامي، في كلمة له خلال اجتماع قادة السلاح البري لـ"الحرس الثوري" في مدينة مشهد، شرقي إيران، إن تهديدات واشنطن "تتخذ أبعاداً أكثر جدية مع مرور الوقت"، مضيفاً أن "الصراع يحتدم أكثر، والعدو يقترب منا أكثر".

واعتبر سلامي في هذا الصدد أنه "كلما تكون هذه التهديدات أكبر، تكون أنفع"، واصفاً إياها بـ"الموهبة".

وتابع سلامي، وفقا لما أورده نادي "المراسلين الشباب"، أن المواجهة مع الولايات المتحدة "دخلت مرحلة الاستنزاف، لكن العدو يُستنزف أكثر منا لكونه توسع أكثر من اللازم"، موضحاً أنه "يفتقد إلى قوة إنسانية بديلة والدافعية والعقيدة، ونحن بإمكاننا أن نهزمه على المدى الطويل".

من جهتها، نقلت وكالة "تسينم" الإيرانية عن سلامي قوله إن "نطاق المواجهة مع الأعداء تتوسع أكثر مع مرور الوقت"، قائلاً إن التهديدات "انتقلت من شكلها العسكري إلى المجالات الاقتصادية والسياسية والحرب بالوكالة".

وأضاف أن "الأعداء" يعملون اليوم ضد إيران "بشكل نشيط"، مشيرا إلى أنها تواجه "حربا شاملة".

بدوره، قال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، اليوم الثلاثاء، في تصريحات نقلتها وكالة "إيسنا" الطلابية، إن "أهم أسباب تراجع أميركا عن شن الحرب على إيران يعود إلى تزايد اللحمة الوطنية".

وأضاف المتحدث باسم الحكومة الإيرانية أن العقوبات الأميركية "تهدف إلى تلاشي المجتمع الإيراني"، قائلاً إن "الشعب الإيراني سيتجاوز هذه المرحلة بالتعاون والتضافر".

واعتبر ربيعي أن خطوات بلاده لتقليص تعهداتها النووية المنصوص عليها في الاتفاق النووي، تأتي في إطار السعي "للحفاظ على الاتفاق"، مؤكداً أن "التزام إيران به سيكون بالمستوى ذاته لالتزام أوروبا". ​