إيران بين أوكرانيا وكورونا

03 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
كما بدا إسقاط الطائرة الأوكرانية في سماء مطار طهران، في أثناء القصف الصاروخي الانتقامي على قاعدة عين الأسد في العراق، سقطةً إيرانية مجلجلة، أدّت إلى انكشاف حالة الترهل لدى نظام الملالي، وتبيان مدى ضعف مستوى أداء الحرس الثوري، بدا تسييس الجمهورية الإسلامية تفشّي فيروس كورونا في البلاد سقطة أخرى مروّعة، نظراً إلى ما انطوى عليه الانكار والتستر على الآفة، والتعامل معها كمؤامرة كونية، من نتائج كارثية واسعة، جعلت الجمهورية الإسلامية ثاني أكبر بؤرة للفيروس في العالم.
قبل نحو شهرين عصيبين، عمدت إيران، أول الأمر، إلى التستر على واقعة إسقاط الطائرة الأوكرانية، وحاولت إلصاق التهمة بالغير، ثم حين اعترفت بخطئها الشنيع، قدّمت تفسيراً أشد هولاً، حين قالت إن منظومتها الدفاعية حسبت الطائرة المدنية العملاقة صاروخاً حربياً، وهو ما بدّد كل ما كان قد بقي لها من صدقية، وقوّض صورة ومزاعم وهيبة دولة درجت على إظهار نفسها قوةً إقليميةً فاعلة، قادرة على هزيمة أميركا في المنطقة، وإزالة الكيان الصهيوني من الخريطة في ست دقائق ونصف دقيقة.
لم تقبل الشعوب الإيرانية من حكّامها تلك الترّهات، فخرج شبابها الجامعي إلى الشوارع، مزّقوا صور قاسم سليماني، وهتفوا ضد النظام والمرشد الأعلى، الأمر الذي فاقم من حدّة المحنة، وعمّق الفجوة، وقضى على البقية الباقية من الثقة بين المسؤولين والمحكومين في البلد الخاضع لحصارٍ مديدٍ، وهو ما ألحق ضرراً لا يمكن إصلاحه، أضعف مكانة إيران في اللعبة الإقليمية، همّش دورها، نقلها من مركز الهجوم إلى وضعية الدفاع، وأعادها عشرين سنة إلى الوراء، وفق ما بدت عليه، أخيراً، لهجة الخطاب الإيراني المتلعثم، وما تجلت عليه سوية الحال المتضعضع في العواصم الأربع الواقعة في قبضة الولي الفقيه، ولا سيما في بغداد وبيروت.
وقبل أن تنطوي صفحة الطائرة الأوكرانية، انفتحت صفحةٌ أخرى، واضطرب المشهد الإيراني اضطراباً لا سابق له منذ أربعة عقود، إثر تسلل فيروس كورونا إلى البلد المنهك، المفتقر إلى الكفاءة، ويبلغ سعر صرف الدولار فيه نحو 150 ألف ريال، لتكتمل حلقة الحصار المحكم من حوله، وتشتد عليه أطواق العزلة، ليس جرّاء سياسة الضغوط القصوى الأميركية، وإنما بفعل الاستخفاف، إخفاء الحقائق، سوء التنظيم والإدارة، وعقلية القلعة التي لا تستمع إلا لنفسها، ولا ترى أمامها غير عالم يتربص بها، ويتآمر عليها، ما أدّى إلى تحوّل الفيروس إلى وباء واسع الانتشار، وجعل إيران ضحية لقلة عقول مسؤوليها.
بحسب ناشطين إيرانيين، وما تعجّ به وسائل التواصل لديهم من قصص وروايات مثيرة، هناك فيض من الأخبار المتداولة عن وقوع أعدادٍ لا حصر لها من المصابين بالفيروس، يُقدرها بعضهم بآلاف، ويتحدّث النشطاء عن موت مئات في مختلف المدن والضواحي (تحدّث نائب قبل أسبوع عن خمسين قتيلاً في قم وحدها)، على عكس ما تلهج به ماكينة الإعلام الرسمي التي تتقوّل بغير الحقيقة كعادتها، فيما تلاحق أجهزة الأمن كل من ينشر خبراً عن الوقائع المؤكدة، بجريرة التهوين من عزيمة الأمة، وتلفيق أنباء من شأنها الإضرار بصورة الجمهورية المُجاهدة.
بفعل هذه السياسة المغرقة في عدميتها، الخائفة من تكشّف ما يدور خلف أسوارها العالية، سرعان ما تحوّل الفيروس إلى وباء، وربما إلى جائحة، وصارت إيران دولة منبوذة، يخشى أقرب الأقربين منها، بل وحتى الحلفاء الأشداء، من زيارتها والتعامل معها، بعد أن اشتدّت الحالة المُعدية، وأصاب الداء مسؤولين كباراً فيها، ما أجبر هؤلاء على حظر صلوات الجمعة، وإغلاق المدارس والجامعات والبرلمان، ومنع السفر بين المدن والمحافظات، وغير ذلك من تدابير دالّة على مدى استفحال الظاهرة، وربما خروجها عن السيطرة.
يبقى ضرورةً القول إن إيران سبق لها أن صدّرت لنا وباء المذهبية المدمر لنسيج الأمة، المزعزع لاستقرار الدول المجاورة، تحت مسمّى تصدير الثورة، ها هي اليوم تُصدّر لنا فيروس كورونا، وإنْ على غير إرادة منها، بدليل أن كل المصابين في العراق ولبنان، ودول الخليج العربي، أتوا من إيران حصراً، وقد بادرت هذه الدول، من تلقاء نفسها، أو على مضض، إلى حظر السفر إلى طهران وقُم، وأغلقت الأبواب والمرافئ والمطارات في وجوه القادمين منها، الأمر الذي أدّى إلى إحكام طوق الحصار على البلد الذي أساء إدارة الأزمة، وتعاطى معها بوصفها من مظاهر العيب والنقيصة السياسية، عوضاً عن إبداء الشفافية، كما تفعل الدول المتحضّرة.
45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي