إيديولوجيات زائفة

16 نوفمبر 2018
الصورة
+ الخط -
على مدار القرن الماضي، عرفت الدول العربية إيديولوجيات متنوعة يميناً ويساراً. وقد مرّ معظم هذه الإيديولوجيات بالمصير نفسه، من تأييد وصعود إلى تراجع وسقوط. وكان جميعها يبشّر بوعود "الخلاص النهائي" للشعوب العربية، وتحقيق حلمي النهضة والاستقلال والتنمية، لكنها انتهت جميعاً إلى المصير البائس نفسه.
بدأ القرن بما أطلق عليه المفكر والباحث البريطاني، ألبرت حوراني، العصر الليبرالي العربي، فانتعشت أفكار التحرّر والفردانية والاستقلالية، والتخلص من عبء التراث والتقاليد. وهو عصر اشتمل على كل المتناقضات التي كانت تسير عكس ما وعدت به نخبته الفكرية والثقافية، فقد كان عصر احتلال أجنبي من المشرق إلى الخليج العربي، وصل، في بعض الأحيان، كما هي الحال في الجزائر إلى عملية استئصال كامل للهوية الوطنية. وفي وقتٍ كانت تتعاطى فيه النخب "الليبرالية" مع التديّن والتقاليد الدينية باعتبارها علامةً على التخلف والرجعية، ظهرت واحدة من أقوى وأهم الحركات الدينية التي ستصبح في ما بعد من أهم الفاعلين في السياسة العربية، وهي جماعة الإخوان المسلمين. وبدلاً من أن تتحرّر الدول العربية من الاستعمار، شهدنا استعماراً واستلاباً جديداً للأراضي العربية، بعد احتلال فلسطين وإعلان إسرائيل دولة عام 1948، وانتهى ذلك "العصر الليبرالي" وإيديولوجيته الزائفة بسقوطٍ مدوٍّ لأنظمة "ويستمنستر" الليبرالية.
بعد ذلك، انتقلت الدول العربية باتجاه الإيديولوجية الاشتراكية التي وعدت بإنهاء ميراث الاستعمار، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على الإقطاع، وتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، وإنجار حلم الوحدة العربية، فانتشرت القومية العربية في طبعتها الناصرية من المشرق إلى المغرب انتشار النار في الهشيم، باستثناء بعض الجيوب هنا وهناك التي قاومت ذلك المدّ القومي الناصري. وبنهاية الستينيات، سقطت أوهام الاشتراكية والقومية والوحدة العربية، بل سارت إلى عكس ما طمحت إليه، فلم تتحقق العدالة الاجتماعية، بعدما تم استبدال طبقة الإقطاعيين بطبقة عسكريتارية نافذة، كرّست السلطة والمال والنفوذ بين صفوفها. وسقط حلم الوحدة العربية بعد ثلاث سنوات فقط من الوحدة المصرية – السورية، ولم تتحرّر فلسطين، بل وسقطت أراضي أربعة بلدان عربية أخرى (مصر وسورية ولبنان والأردن) تحت الاحتلال الإسرائيلي. وانكشف زيف الإيديولوجية الاشتراكية بعد عقدين من التجربة الوهمية.
بعدها بدأ التبشير بإيديولوجيا خلاصية جديدة، هي الإيديولوجيا الإسلامية، وبناء دولة "العلم والإيمان" كما أطلق عليها الرئيس الراحل أنور السادات، وانتشرت الحركات الإسلامية بكل تنويعاتها الفكرية، حتى وصلت إلى السلطة في بعض البلدان كالسودان، وكانت على وشك الوصول في الجزائر. فانتهت الأولى إلى دولةٍ سلطويةٍ بامتياز، تجمع أسوأ مركبين للاستبداد (المركب العسكري والمركب الديني)، وسقطت وعودها البرّاقة بتطبيق الشريعة وتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد. في حين دخلت الثانية في حربٍ أهليةٍ دامية، راح ضحيتها مئات آلاف من البشر، ولم تتعاف من تبعاتها حتى الآن. وثبت بالدليل القاطع أن تحويل الدين إلى إيديولوجيا سياسية انتهازية ليس فقط تزييفاً للعقل والوعي، وإنما أيضاً تشويهاً وامتهاناً لقواعد ومبادئ الدين الحنيف.
وفي كل مرةٍ، كان يتم فيها ترويج هذه الإيديولوجيات، تصعد نخبٌ إلى قمة هرم السلطة وتقوم بإزاحة غيرها. بينما تلعب الشعوب دور المتفرج والمفعول بها، من دون أن يكون لها دور فاعل. وكأننا إزاء لعبة "كراس موسيقية" يشاهدها الجمهور من دون القدرة على الدخول إلى حلبتها والتأثير في معادلتها.
ومع هبوب نسمات الربيع العربي، سطت النخب السياسية والإعلامية على أحلام الجماهير وتطلعاتها إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وحوّلتها إلى أداة لخصخصة موجة الثورات والانتفاضات وركوبها، من أجل تحقيق مكاسب حزبية وشخصية ضيقة. وسقطت بذلك أول محاولةٍ كان للمواطن العربي دور حقيقي وفاعل فيها لتحقيق خلاصه المنشود. وهكذا نسير، نحن العرب، مدة قرن، من زيف إيديولوجي إلى آخر، ومن مأساةٍ إلى أخرى.