إيتل عدنان: البحر ولا شيء سوى البحر

28 يناير 2019
الصورة
(إيتل عدنان في برلين، ليبرينز)

كانت الشاعرة والفنّانة التشكيلية إيتل عدنان (1925) في فجر شبابها عندما غادرت باريس ما بعد الحرب؛ باريس الحركة السريالية والتيار الوجودي الصاعد وأندري جيد الذي التقته مبكراً. كانت المدينة محطّةً بين بيروت بثقافتها الفرنسية الكولونيالية وأميركا لحظة انفجارها الفني الكبير بعد الحرب الثانية.

وعندما وصلَت إلى كاليفورنيا أوائل الخمسينيات، كان قد هيّأها عبورها الباريسي ودراستها الفلسفة في "السوربون" وتنسّمُها رياح السرياليين لأن تدخل المغامرة الكبرى التي خاضتها جماعة "مدرسة نيويورك" أو حركة التعبيرية التجريدية المتأثّرة هي نفسها بالسرياليين، والتي تقوم على التنوُّع الخلّاق والحرية الفردية والتعبير المباشر والتلقائي عن المشاعر مهما كان الأمر.

كان مارك روثكو وأرشيل غوركي ووليم كوننغ قد أحدثوا قطيعتهم النهائية مع عوالم باريس ما بين الحربين، وغيّروا أبجدية التشكيل تغييراً جذرياً، ولم يتوقّفوا عند الدعوة السريالية إلى الاستناد إلى اللاوعي وعوالم الحلم، بل تجاوزوها، ومضوا بعيداً إلى التعبير الشامل عن الأنا العميقة في كلّيتها.

ذهب جاكسن بولوك إلى حد التخلّي عن الحامل والفرشاة؛ فهو يرسم على الأرض بوضع تلك اللطخات العنيفة التي تملأ اللوحة. يقول: "أشعر بالراحة فوق الأرض، أحسّ أني أكثر قرباً من اللوحة، بل نُشكّل أنا واللوحة جسداً واحداً".

بهذا المعنى، أعاد الفنان اكتشاف لحظة الخلق الآنية، اكتشافُ عمقِها الأبدي وفردانيتها لأنها إذ تُعبّر، تُعبّر مرّةً واحدةً وإلى الأبد... كان بيكاسو أوّلَ من اكتشف شاعرية الآني والمباشر والعابر، أوّلَ من انتبه لعمق الأشياء اليومية والآنية المتحوّلة، وخلّدها في رسومه التي أخذها من محيطه اليومي المباشر... هيكل السمكة التي بمجرّد الانتهاء من تناولها يرسمها في قاع الصحن... قطعة خبز "الباغيت" الفرنسي التي حوّلها منحوتةً كما هي دون أن يُحدث فيها أيّ تغيير، مُبرزاً شاعرية الواقع المباشر، شاعرية اللحظة لأنه - كما صرّح - ليس ثمّة في الفن لا ماضٍ ولا مستقبل. الفنّ الذي لا يتمّ في هذه اللحظة لن يُوجد أبداً... وهكذا انطلق يرسم الأشياء اليومية لأنه يعتقد أن "الفن يُطهّر روحنا من غبار الحياة اليومية"، كما يقول.

كم يُذكّرني كل هذا الاحتفاء بالآني المباشر واليومي بأشعار يانيس ريتسوس الذي يتّخذ، هو أيضاً، من الأشياء اليومية والحميمية مادةً لقصائده... كل لحظة من نهاره يحوّلها إلى ارتعاشة شعرية؛ فهو يكتشف الخارق في العادي.

تشرّبت إيتل عدنان كلَّ هذه الأجواء التي نلمح تأثيرها في أعمالها الشعرية والتشكيلية التي جعلت منها رسّامة وشاعرةً عالمية. بيد أن إيتل الشاعرة النوميدية المترحّلة خاضت كل هذه العوالم بحسّها المفرَد والمتفرّد، ومارست إبداعاتها بحرّية مطلقة خارج المدارس. هضمت التأثيرات واكتشفت صوتها، من قال إن الانسان يعمل كثيراً ويُجاهد كثيراً ليصل إلى أن يكون نفسه.

هكذا تبدو كتابتها موازياً شعرياً لأعمالها التشكيلية؛ فاللون والكلمة في قاموسها هما شيء واحد، إذ يصدران عن العالم نفسه؛ عالمِها الداخلي.

سألتُها ذات يوم: كيف تكتبين؟ قالت وببساطة شديدة: "أكتب تلقائياً". هي لا تفكّر في القوالب والمدارس والنظريات. فعلُ الخلق لديها فعلٌ غريزي، وصورها الشعرية فورية. تتجلّى أعمالها الفنية من شعر ورسم ونسج في زخم واحد متحرّر وخاضع في الآن لرقابة داخلية، هي أيضاً غريزية.

أحد آخر إصداراتها؛ "بحر وضباب" (2012)، وهو الكتاب الثاني من رباعية شعرية صدر جزؤها الرابع قبل ثلاثة أشهر، عبارةٌ عن قصيدة واحدة موزّعة على أربعة كتب؛ هي: "فصول"، "بحر وضباب"، "ليل، تدفَّق". تقول الكاتبة جوسلين هيث في تعريف مقتضب لهذا الكتاب: "البحر في كتاب إيتل عدنان ربما هو رمز أدبي للبدء، مُجسّداً الحياة والموت والتحوُّل. والضباب يرمز للغموض، لتقلُّب الأجواء، وأحياناً يكون الضباب قاتلاً. أيضاً يستمد هذا الكتاب عنوانه من العناصر التي يسائلها. إنه متتالية من الفقرات التأمُّلية والغامضة التي تطرح أسئلة حول الوضع الإنساني المعاصر".

هنا ترجمتنا لبعض الفقرات الشعرية من "بحر وضباب"، الذي تصل فيه إيتل، وهي تراوح التسعين، إلى قمّة نضج أبجديتها الشعرية وعمق حدسها الفلسفي، وقد أهدته إلى صديقتها الفنانة الكبيرة سيمون فتال.

بحر

البحر ولا شيء سوى البحر. جدار متشقّق. بحر. بكرات، زيت. شفافية. البحر. بحر شاسع ومضطرب. الأمواج تندفع، مستعدّة للتقاتل. في أساطير أيّ منّا، أشجار تتطفّل، تتمدّد ويكبر ظلّها.

موجة هي افتتاح؛ حصان يأتي، يستسلم ويُغرق نفسه. سماء مخطّطة بالدم. ما هي السماء؟ تسلُّق جبال لتأمُّل الغيوم. والماء متراكم على الماء يعكس صورة آليات الذاكرة.

آه لانفجار نيران أحشاء امرأة! كتيبة تتوالى مرعبة. الجنود يحجبون أعينهم بالأزهار - حسب الفصول. قارات من الغيوم بلا هدف.

بحر ساهد بثبات، سماء تتدحرج نحو الشرق. صمت باعث على القلق. والطبيعة الأنثوية للمادة تنبثق كجوهر للبحر.

المطر يتساقط. وأرواح النيران تولد ذهولاً وعطشاً لدى الحضور. هل في إمكان الماء أن يعطش؟ بينما يجمع الرعد الطاقة ومجموعات من الأمواج تتحوّل إلى قطع موسيقية. والفكر يلتقط النغم ويبثّه للعاصفة.

البحر يجهل موت آخيل ولا يمكن تحذيره، ونحن نسينا أبجديته. والفضاء يضيق، يتقلّص إلى شق: والإشعاعات تحرق الخلايا العصبية عن طريق الوصول إلى المخ الذي ينزلق في سبات عميق ويتلاشى.

في صيف مبتدع ينفجر العالم. وببطء، تبرز جبال وفقاً لفخاخٍ وضعتها الآلهة. وهذه الكائنات أما تزال بيننا؟ أحياناً تكون بيننا.

تعليق: