إنهم يقتلون الثوار .. أليس كذلك؟

19 فبراير 2020
الصورة
+ الخط -
قفز إلى ذهني بعد 50 عاما مشهد روبرت (مايكل سارازين) عندما كان يروي واقعة مقتل شريكته غلوريا (جين فوندا) على يده في الفيلم المشهور، وتذكّر كيف قتل جدّه جواده المفضل، ليطرح أمام سجّانه سؤاله الملغز: "إنهم يقتلون الجياد.. أليس كذلك؟"... في العراق، ومع الفرق في الوقائع والتفاصيل، يطرح سؤال: "إنهم يقتلون الثوار... أليس كذلك؟"، اللصوص والقهرمانات ورجال المليشيات السوداء في العراق يقتلون الشباب بدم بارد، وينكرون أفعالهم الشريرة مراهنين على أن الثوار سيتراجعون، وأن الانتفاضة ستنكفئ، وجذوة الثورة المتّقدة ستنطفئ، وعندها ينسى العراقيون ما فعلوه بهم وما يفعلونه. 
نعرف أنهم يريدون للانتفاضة/ الثورة أن تنتهي. ولذلك تراهم يسارعون إلى استخدام كل الأساليب المتاحة عندهم، التهديد والوعيد، محاولة الاحتواء والتمسكُن داخلها، القنص والاختطاف والاغتيال، وأخيرا الانقضاض عليها بالسلاح وبغير السلاح، إنهم يقتلون الثوار.. أليس كذلك؟
على الانتفاضة، إذن، أن تتحصّن، أن تصمد، وأن تقاوم. صحيحٌ أنها تواجه اليوم بعضا من مشكلاتٍ يقال إنها بنيوية. ولكن متى كانت الثورة، أية ثورة، خاليةً من المشكلات والمنغّصات. على ثورة العراقيين، إذن، أن تداري مشكلاتها بهدوء ورويّة. يقول فولتير إذا ما واجهتك مشكلة فاسع إلى حلها عبر أمرين: أن تعترف بها أولا ولا تنكرها، وأن تبحث عن سببها ولا تتجاوزه. تجد الانتفاضة/ الثورة العراقية نفسها في مأزق، وهي في منتصف الطريق، لا هي قادرة على التقدّم وفرض مطالبها لاعتبارات كثيرة، ولا هي ترى في تراجعها والاكتفاء بما حققته من حركة نهوض، وما أحدثته من وعي على ما تعانيه البلاد من أدواء ومظالم أمرا سهلا، لاعتباراتٍ كثيرة أيضا. 
نحن هنا ندخل في المحظور، في الحال المسكوت عنه، ونعرف أن كثيرين سوف يلوموننا بدافع حرصهم على أن تبقى صورة الانتفاضة نقيةً بهيةً صافية، وأن آخرين سوف يصفقون لنا بدافع رغبتهم الشريرة لإظهار الانتفاضة على نحوٍ يمكّنهم معه من تبرير معاداتهم لها، وسعيهم المحموم إلى إجهاضها. 
ما هو مسكوت عنه أن تنسيقا بين مختلف لجان الانتفاضة في المحافظات والمدن مطلوبٌ بدرجة أعلى مما هو عليه الآن، فقد أوشكت خلافاتٌ صغيرة بين هذا الفريق أو ذاك، أو هذه الساحة أو تلك في أن تقيّد حركة الانتفاضة وتُحجم مسارها. رشّح بعضهم من يراه أهلا لتقلد المسؤولية لمنصب رئيس الوزراء. ورأى آخرون أن المطلوب ليس اسما معينا، وإنما توفر شروط معينة. وفي مسألة مشاركة الطلبة، هناك من دعا إلى إضراب طلابي شامل، في وقتٍ تمسك آخرون بضرورة الحفاظ على دوام الطلبة في مدارسهم وجامعاتهم. الاختلاف في مثل هذه الأمور دلالة عافية ثورية، تريد ما هو أفضل، ولكن أن لا يجر الاختلاف إلى التوغل في أمور ثانوية، تنسي الثوار هدفهم المركزي: استعادة الوطن.
هنا تُطرح أسئلتنا، من دون الدخول في متاهات الأجوبة المسكتة: لماذا لا تتوفر قيادة للانتفاضة تدير التباينات التي تظهر في هذا الجانب أو ذلك، تنبثق من رحم الانتفاضة ومن بين صفوف الثوار، يتم انتخابها أو اختيارها على نحوٍ ما. وهناك طاقات شبابية مثقفة وخبيرة ومقتدرة، تستطيع أن تشغل مواقع كهذه، وتضع خطة أساسية، وخططا تفصيليةً، تضمن تصعيد الانتفاضة وتطوير وسائل نجاحها، على أن تواصل تمسكها بطابعها السلمي، ولا تنجرّ لدعاوى العسكرة وحمل السلاح، لأن أفعالا كهذه توقعها في المصيدة، وهذا ما يتمنّاه خصومها؟
لماذا لا نبحث فكرة استيلاد كيانٍ يستوعب كل هذه الطاقات، ويوحد ما بينها، ليس حزبا ولا جمعية ولا منظمة مدنية، إنما إطار أكبر وأكثر شمولية، جبهة عريضة تضم العاملين في الانتفاضة، والداعمين لها والمؤمنين بأهدافها؟ لماذا لا يُصار إلى تشكيل لجان تقود العمل الخارجي، وتنشط في مجال التعريف بأهداف الانتفاضة، وتسعى إلى كسب التأييد والدعم لها في أوساط المنظمات الدولية والإقليمية، المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان وحريات الشعوب؟
مع هذا كله، وفي كل الأحوال، على الانتفاضة أن تكون على بيّنةٍ من الحماقات والشرور التي يبيّتها الخصوم لها، وهم كثر. إنهم يقتلون الثوار.. أليس كذلك؟