إنهم يصنعون "شبابهم"

29 ابريل 2017
الصورة
+ الخط -
يعرف جيلي من الشباب المصري جيداً تجربة جمعية جيل المستقبل التي أنشأها جمال مبارك في الجامعات، ضمن سعيه إلى وراثة الرئاسة، كما يعرف جيل أقدم تجربة التنظيم الطليعي الذي أنشأه جمال عبد الناصر. اليوم نشهد تجربةً جديدةً لنظام يحاول تصنيع "شبابه" الخاص.
للمرة الثالثة، يحضر الرئيس عبد الفتاح السيسي جلسات مؤتمر الشباب، برفقة أغلب الوزراء، ويستمع، بشكل مباشر، إلى الأسئلة، ويحاول الرد بأسلوبٍ مختلفٍ فيه قدر من المنطق والاحترام، مثل ترحيبه بالسؤال عن إمكانية مغادرته الحكم لو خسر الانتخابات، وقسمه أنه سيفعل فوراً.
هذه المؤتمرات هي قمة الجبل، فهي تأتي على أرضية "برنامج التأهيل الرئاسي للشباب"، الذي يهدف إلى تدريب 40 ألف شاب، يخضعون لدورات ومحاضرات ومناهج خاصة، ليكونوا قيادات في المستقبل، ولهذا احتفى الرئيس بشدة بـ "نموذج محاكاة الحكومة المصرية".
من اللافت في هذه الجولة أنه لم يتم توجيه الدعوة إلى الأحزاب لترشيح شبابها، على الرغم من أن شباب الأحزاب الذين قبلوا الدعوة سابقاً لم يُظهروا أي اختلافٍ حقيقي، لكن المشروع الحالي قائمٌ على "نزع السياسة". ولهذا، يجب تجاوز كل الشباب المُسيس القديم من أبناء ثورة يناير، حتى لو من المعارضة "الديكورية" أو الجزئية. التركيز الآن على جيل جديد من الشباب، كانوا أطفالاً وقت ثورة يناير، فئة الأعمار تحت 21 عاماً. يحاولون إيجاد أبناء "30 يونيو" وليس يناير.
قابلت بعض هؤلاء الشباب سابقاً، وهم ليسوا منافقين ولا فاسدين ولا أبناء قيادات في الجيش، هم أبناء أسر متوسطة عادية، بعضهم ناشط في جمعيات خيرية، أو مبادرات شبابية، وهم مخلصون لبلدهم بهذه الأنشطة، لكنهم "منزوعو السياسة" بشكل كامل. يظهر هذا في نوعية أسئلتهم، الشاب الذي وقف ليخبر السيسي أن محافظ أسوان أخفى مصرف "مصنع كيما" قبل زيارته لا تنقصه الجرأة، ولكن ينقصه الوعي السياسي ليطرح سؤالاً عن أزمةٍ سياسيةٍ لا تقنية، مثل قانون الهيئات القضائية الجديد، وهو ما لم يتناوله أيّ شاب.
يحاول النظام تشكيل هذه الخامة البيضاء، ويسعى إلى زرع أفكار معينة، وللتركيز على الحلول التقنية والتكنوقراطية، مع إغفال كامل لأي أبعاد سياسية، وجزء من هذا هو القطيعة بينهم وبين ما شكل جيل يناير.
يخضع الإعلام المصري حاليا بدوره لعملية "نزع السياسة"، عدد البرامج السياسية ومساحتها يتقلصان بشدة، لم يعد التأييد هو المطلوب، بل يجب تغييب المعلومات أصلاً.
وحتى على مواقع التواصل الاجتماعي، تم التركيز على عمل دوائر هائلة تحيط بالجيل الجديد، سواء بإنفاق الملايين على صفحاتٍ تضخ يومياً، أو بتلميع شخصياتٍ شابةٍ معينة تتبنى رأي الدولة سياسياً بأسلوبٍ يبدو مرتباً وعقلانياً ومتقناً.
اليوم هناك شاب عمره 18 عاماً، حين يفتح موقع "فيسبوك" لن يرى ما أراه. هناك محاولة ألا يظهر على "التايم لاين" عنده أكثر من أخبار أصدقائه والأغاني والفن والكرة، أما لو ظهر أمامه محتوى سياسي، فهناك منافسةٌ بين المعارضين ومشاهير "الدولجية" الجدد. لو ظهر كلاهما من سيكون أكثر إقناعاً واحتراماً بالنسبة له؟
لم تنقطع محاولات تخليق الظهير الشبابي منذ اليوم الأول، كانت الآمال معلقةً على حزب مستقبل وطن. لكن، يبدو أن الخسارة الجماعية لقوائمه في كل جامعات مصر، وكذلك موجة انقسامات واستقالات، ألغت الفكرة.
لا تجب المبالغة في خطورة ما يحدث، فطبيعة الأمور ضد رغبة السلطة. عشرات الآلاف من شباب جمعية جيل المستقبل تبخروا تماماً، ومنهم من شارك بالثورة، بل بعضهم أصبح اليوم في أحزابٍ معارضة. وهذا الجيل الجديد بطبيعته لا يقبل الاستهانة والافتراضات الجاهزة، سواء من السلطة أو المعارضة، وسيبحثون عن إجاباتهم. كما أنهم، في النهاية، يعيشون في واقعٍ فيه أزمة اقتصادية وقمع أمني. الخداع والشعارات لن تغير ما سيرونه بأعينهم. وإذا كان جيلي يلاحقهم بالكاد، فمن باب أوْلى أن جيل الستينيات من أهل السلطة أبعد.
لكن، علينا التعامل بجدية كافية، خصوصا أن المعارضة ما زالت تعتمد على جيل يناير، ولم تشهد موجات من انضمام الجيل الجديد. علينا التفكير فيما يُشبك جيلنا بالجيل التالي بهدوء واحترام. علينا أن نقدّم لهم إجاباتنا لا سخريتنا.