إنهم يحتفلون بهزيمة غزوة أُحد

إنهم يحتفلون بهزيمة غزوة أُحد

30 نوفمبر 2014
+ الخط -

هل يُعقل أن نحتفل بالاستسلام والاستعباد للمحتل البريطاني الذي قرر إدخال الجيش المصري (كأحد رعاياه)، وكأنه أحد فيالقه المقاتلة التابعة للجيش البريطاني العظيم العابر للقارات في الحرب العالمية الأولى جنباً إلى جنب قوات الحلفاء (أغسطس/آب 1914)، حيث لا ناقة لنا ولا جمل في تلك الحرب، حيث تتصارع وتتنافس القوى الكبرى الاستعمارية الأوروبية على الهيمنة على باقي شعوب العالم، ومص دمائها وهي حيّة، ولم نجن منها أي منفعة سياسية، أو اقتصادية، بل على العكس، تم رهن مواردنا واقتصادنا ومطاراتنا وقواتنا وعتادنا العسكري تحت إمرة وتصرف قوات الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وروسيا)، ذلك أنه تم تقسيم الوطن العربي والمشرق الإسلامي (آسيا وأفريقيا)، قبل انتهاء تلك الحرب إلى كيانات صغيرة متقطعة الأوصال، كغنائم للاستعمار الغربي المنتصر بموجب اتفاقية "سايكس بيكو" عام 1916، وكانت إيذاناً أيضاً بزرع أول بذرة للكيان الصهيوني في أرض فلسطين، بموجب وعد بلفور المشؤوم 1917 وتدنيس القوات الإنجليزية أرض فلسطين والقدس الشريف لتكتمل المؤامرة بوجهها القبيح، حيث ورث الغرب الأوروبي الصليبي تركة رجل أوروبا المريض (تركيا العثمانية)، كما كانوا يخططون منذ عقود طويلة خلت، فقد شاركت مصر بانضمامها لمعسكر الحلفاء في آخر طعنة لخاصرة الخلافة الإسلامية العثمانية، المظلة التي كنا ننضوي تحت لوائها أربعة قرون كاملة، انتهت بسقوط الخلاقة نهائياً في سبتمبر/أيلول 1923!
القوات المسلحة المصرية تحتفل بذكرى مرور 100 عام على مشاركتها في الحرب العالمية الأولى. رفع علم مصر إلى جوار أعلام الحلفاء، تقديراً لتضحياتها من أجل الحضارة الإنسانية. هكذا كان العنوان الرئيسي العريض في صدر صحيفة الأهرام الرسمية، بتاريخ الثاني عشر من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، حيث نظمت الاحتفالية هيئة البحوث العسكرية، ودعت وزير الدفاع ومساعد وزير الدفاع ورئيس الاتحاد العربي للمحاربين القدامى، فأيّ مناسبة تدعو للفخر والعزة من أجل الحضارة الإنسانية بمقتل أكثر من 8 ملايين في 4 سنوات هي مدة الحرب؟ وهل تُعد المشاركة في الحرب العالمية الأولي عيداً قومياً أو نصراً عسكرياً عظيماً يستحق التباهي والافتخار حققناه في معركة الدفاع عن النفس بإرادتنا الحرة، ووفقاً لمصالحنا، وليس انقياداً للمحتل الأجنبي الذي يقرر نيابة عن شعب وأمة متى وكيف تشارك في معركة أو حرب لا نعرف أهدافها ونتائجها أو المكاسب التي قد تعود علينا من وراءها؟!
أكثر ما يُثير الانتباه، بل والاستهجان أيضاً، ما ذكره اللواء جمال شحاتة، رئيس هيئة البحوث العسكرية التي رعت ونظمت الاحتفالية في الكلمة التي ألقاها قائلاً: "إن الجيش المصري قد شارك مع الحلفاء في 5 أغسطس/آب 1914 لنصرة الإنسانية بأكثر من مليون و200 ألف مقاتل، وقاتل في ثلاث قارات "آسيا وأفريقيا وأوروبا"، وكان ترتيبه الثامن من حيث عدد القوات المشاركة، وأنه قدم أكثر من نصف مليون شهيد في الحرب العالمية الأولى، ودفن من سقطوا من هؤلاء الشهداء في بلاد مختلفة في مقابر الكومنولث. فأيُّ منطق هذا الذي يدعونا إلى الفخر بمقتل نصف قواتنا تقريباً في معركة، لم تعد علينا بمكسب واحد أو مصلحةٍ واحدةٍ تذكر على أرض الواقع وقد كنا نرزح تحت الاحتلال البريطاني الفعلي آنذاك؟! حيث خرجت بريطانيا وحلفاؤها منتصرين، وقد حققوا أهدافهم، بينما لم نجن سوى مزيد من التشرذم والتدهور والتبعية مع بقية بلدان الوطن العربي.
أخطر ما نواجهه، الآن، هو الزحف الهمجي لتزييف الوعي الجمعي للأمة، ولأجيال قادمة لا يُراد لها أن تدرك الحقيقة، في اغتيالٍ واضح للعقل والفكر، وتشويه متعمد لحقائق التاريخ والجغرافيا وتجريف للذاكرة فضلاً عن تكريس روح الانهزامية والانبطاح أمام النموذج الحضاري الغربي، حيث يصبح العدو صديقاً وشريكاً والشقيق خصماً وعدواً لدوداً عبر تغيير القواعد والمعايير الأبدية الأخلاقية المستقرة في العقل الجمعي العربي والإسلامي عبر التاريخ لنصبح بعد سنوات قليلة قادمة، مسخاً بلا هوية أو تاريخ لقمة سائغة من السهل الابتلاع والامتصاص، ومن ثم الانصهار في الحضارة الغربية تابعين خانعين، والنتيجة النهائية أمة منزوعة الاستقلال والإرادة.. فهل يأتي اليوم الذي نحتفل فيه مع أعدائنا بذكرى نكبة فلسطين 1948، أو نكسة يونيو/حزيران 1967، أو ذكرى كامب ديفيد 1978 المهينة، أو ربما بذكرى هزيمة المسلمين في غزوة أُحد وسقوط الأندلس؟!

5F03EF1D-A432-414E-B3C9-10864571035D
رضا حمودة (مصر)