إنها امرأة آذار

11 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
لن أغنّي لكِ، كما فعل المطرب الذي يصغر، ولا يكبر بمعجزة، وتتهافت عليه المعجبات من سنّ حفيداته، حين غنّى لمولودات برج الحوت. ولن أقول لأن تاريخ ميلادك مرتبط بيوم المرأة العالمي: إنك امرأة مميَّزة، فأنت تعرفين أنني لست ممَّن يؤمنون بالشعارات الزائفة، أنت تعرفين، وواثقة كلَّ الثقة أنني من النساء اللواتي لا يعبأنَ بتكريم، ولا يولين اهتمامًا لمنصب. ولذلك لم أتشجّع يوما للخروج في يوم المرأة العالمي؛ لأصرخ في كل هذا العالم المحتشد، مطالبةً بنصرة المرأة، هذا الشعور يقتلني؛ لأنه يُشعرني كم هي مظلومة من نفسها، وممّن حولها.
تعرفين أكثر من غيرك أن شهر آذار يعني لي شيئًا واحدًا مهما، محوريًّا ومفصليًّا، فحينما كانت أزهار شجرة الرُّمان تتفتح، تحت شرفتي، كنت أنت تصرخين صرخاتك الأولى في الحياة، تنشرينها فوق سريري، وفي فراغ غرفتي، وتتجاوز الجدار لتصل إلى مسامع الجيران؛ فيعرفون أن العروس الشابّة أصبحت أُمًّا.
لا يمكن أن أحدثك عن مبلغ سعادتي بأمومتي الأولى معك، ولكن ذلك كله انقلب حزنا عميقا، وأنت تتحولين صورةً منِّي. لا أدري كيف انسحبت شخصيتي عليك، وكيف أصبحت تتصرَّفين مثلي في أدق الأشياء، وفي أبسطها، حتى حين تمارسين دور الأم الثانية مع إخوتك، فأنت كنت مثيرة للشفقة، على الرغم من أن المفروض أن أفرح؛ لأنك تحملين بعض العبء عنِّي، ولكن ذلك لم يفرحني، كنت أشعر بأنك تكبرين بسرعة، وهذه كارثة، وكنت أشعر بأنك تشعرين بي أكثر ممَّا ينبغي، وهذه مصيبة.
كنت أريدك أن تعيشي طفولتك ومراهقتك، ولكنك فجأة كبرت، وفجأةً بدأنا، أنا وأنت، نتعامل كصديقتين، أو أختين، فحاولت أن أعيدك إلى سيرتك الأولى، ولكني لم أفلح. ويبدو أن قانون الجذب قام بواجبه كاملًا معك، وهذا ديدن الابنة الكبرى دائمًا، فأنت كنت تتمنِّين أن تكوني أمًّا لإخوتك مثلي، وقد أصبحت كذلك، وصرنا شريكتيْن نمارس أمومةً مشتركة، ولكني اليوم حزينة، كما قلت لك، أريدك أن تخرجي من دور الأم القلقة على أولادها الذي ما زلت أعيشه.
صدقًا، يا صغيرة، فكرت ببؤس حياتنا في هذه البقعة من الأرض. وللعلم، كل النساء، في كل بقعة يعانين من إجهاض أحلامهن، ويعانين من نظرة المجتمع الذي يريدهن ضحايا، ويريدهن دائمًا في مشهد الشمعة المحترقة؛ من أجل الآخرين. ولذلك فأنت تنسين نفسك، كما حدث لي، وهذا مدعاةٌ لحزني، أريدك أن تجلسي في مكان هادئ مع نفسك، وتستخدمي قانون الجذب من جديد. تخيَّلي أنك في عالم غير هذا العالم، العالم الذي يعُدُّ على المرأة سنوات عمرها، ويسأل: هل تزوجت؟ كم طفلا قد أصبح لديها؟ هذا العالم ليس عالمك، فأنا أريدك أن تستخدمي قانون الجذب، لتصنعي مستقبلًا لك، لا يجعلك امرأة في قالب معتاد.
أعيد وأكرّر، يا صغيرتي، أنه حسب قانون الجذب، كما ورد في كتاب السر للكاتبة روندا بايرن: سوف يتحقق الحلم، ما دمت مصممًا على الفكرة، ومؤمنًا بها، وشاعرًا بتحقيقها، فأنت سوف تجنين ثمارها، والفكرة التي أهديها لك، وأريدك أن تصمِّمي عليها. هي فكرة أنك ابنة الغد، لست ابنة الماضي الأليم، ولا الحاضر الذي يصنع القوالب للنساء، فتذكِّري، يا صغيرة، أن ابنة الغد هي الابنة القادرة على العيش بكرامة، فالإنسان يفقد كرامته، حين يعجز عن الإنفاق على نفسه. ولهذا، عليك أن تفكِّري دومًا بضرورة أن تكوني منتجة، لا امرأة تبكي، ولا تستدعي شفقة، وأن تعيشي صادقةً في فكرك، وإحساسك وأفعالك، تعيشين بشخصية واحدة، مهما تعدَّدت شخصيات مَن حولك؛ فلا تجاريهم؛ لأنهم أموات.
صغيرتي، قد يكون مكرَّرًا أن أتمنّى لك، في يوم عيدك، حياةً أفضل، ولكنه قلب الأم الذي لا يعرف، إلا أن يحلم لأبناء قلبه، فيا بنت قلبي، يا من منحت بابتسامتك جمالاَ لآذار: كوني كما أتمنّى، تردِّدين دومًا أمام ذكوريةٍ غير معلنة، في عقول كلِّ مَن حولك، حتى النساء: أنا امرأةٌ، لا أَقلّ ولا أكثر.