إنجازات محمد علي وأنصاره.. الكثيرة

04 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
من حق المقاول والفنان المصري، محمد علي، ومن استجابوا لدعوته إلى التظاهر من أجل التغيير السياسي في مصر، أن يفخروا بما أنجزوه في الأسابيع الأخيرة، وهو كثير، ويتخطّى في تبعاته النجاح في تنظيم مظاهرات نادرة ضد النظام المصري الحاكم في الجمعتين الماضيتين. 
إنجاز محمد وأنصاره الأهم هو تقويض ركيزةٍ رئيسيةٍ من ركائز دعاية النظام المصري، منذ الانقلاب على تجربة التحول الديمقراطي في مصر في يوليو/ تموز 2013. فمنذ ذلك الحين، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يطالب المصريين بالتغاضي عن حقوقهم السياسية من أجل الاقتصادية. حيث ركز في دعايته السياسية على أوضاع الاقتصاد المصري بشكل أساسي، وعلى رغبته في إعادة الأمن والاستقرار، وإنقاذ مصر والمصريين من حالة الفقر و"العوز" التي يعيشونها. ولذا طالبهم بنسيان حقوقهم السياسية، وبالصبر على إصلاحات اقتصادية هي الأصعب منذ عقود، حيث أدّت إلى مضاعفة سعر الدولار أمام الجنيه المصري، ولمضاعفة معدّلات التضخم بمعدلاتٍ غير مسبوقة، ولارتفاع مستويات الفقر بنسبٍ مخيفة، وباعتراف الحكومة المصرية نفسها، حيث أكد السيسي دوما على سهره على مصالح مصر وشعبها ونزاهته وإدارته الحازمة والنزيهة أوضاع البلد الاقتصادية.
صدم محمد علي المصريين لمّا كشف لهم وقائع إهدار واضحة للمال العام، تمثلت في بناء فلل وقصور وفنادق للرئيس وكبار مساعديه والمقرّبين منه، وكذلك إهدار الأموال على مشاريع اقتصادية بلا جدوى، كتوسعة قناة السويس. كما أكد السيسي التهم السابقة على نفسه، عندما أعلن، في مؤتمر للشباب، أنه بنى قصورا، وسيبني مزيدا منها، لأنه يفعل ذلك من أجل مصر وصورتها. ودفعت صدمة محمد علي آلافا من المصريين إلى قبول دعوته إلى التظاهر في الجمعتين الماضيتين، في تأكيد على تصديقه والاقتناع بحجته، ورفضهم النظام الحالي وحججه. وهي دعوةٌ كسرت حالة الجمود الذي عاشته الساحة المصرية خلال العامين الأخيرين على الأقل، وكسرت حاجز الخوف، وباتت حدثا فارقا، ووضعت النظام الحاكم في مواجهة القاعدة العريضة من الشعب المصري، المشغولة بلقمة العيش والفقر ومكافحة الفساد وتحقيق النمو والاستقرار.
الإنجاز الثاني لمحمد علي وأنصاره أنهم أعادوا اكتشاف الساحة السياسية المصرية بتبنّي خطابٍ
 سياسيٍّ جديد، وحراك جماهيري بعيد عن القوى المشاركة في ثورة يناير واحتجاجاتها في 2011. لم يتبنّ محمد علي خطاب الشرعية الذي ركز عليه الإخوان المسلمون خلال السنوات الست الأخيرة. ولم يتحدّث عن الديمقراطية والحريات السياسية وحقوق الإنسان كشباب ثورة يناير. تحدّث محمد علي بخطاب رجل الشارع البسيط عن الفساد والفقر والإهانة وسوء الإدارة وإهدار المال وتركيز السلطة في قبضة الرئيس وأسرته، وبعض المقرّبين منهم. كما طالب بمصالحةٍ سياسيةٍ شاملة، تستثني فقط الرئيس ومن تلوثت أياديهم بالدماء. لذا نجح خطابه في تحريك الجماهير، أو قطاعات جديدة وواسعة منهم. كما لم يعمل علي مع "الإخوان" أو شباب الثورة أو أي من قوى المعارضة التقليدية التي ظلت تحذّر من خطورة المظاهرات.
باختصار، استطاع محمد علي الوصول إلى قطاعات جديدة من الجماهير، وتخطي مختلف قوى المعارضة التقليدية وخطابها ورؤيتها للحل، محدثا نقلة نوعية كبيرة ومفاجئة في الحراك المعارض للنظام الحاكم، وكاشفا عن مساحات جديدة ومؤثرة من الخطاب والحراك السياسي أعادت الجماهير إلى الميادين، ملتفين حول مطالب قد تكون الأوسع والأكثر انتشارا لبساطتها. لذا بمرور الوقت، اضطر كثيرون من شباب الثورة وأنصار جماعة الإخوان المسلمين وقوى المعارضة التقليدية لاتباع محمد علي والتعويل عليه، وليس العكس.
ثالثا: استطاع محمد علي وأنصاره الضغط على النظام المصري بشكل غير مسبوق، حيث اعترف السيسي نفسه في مؤتمر الشباب بانشغال مصر بالحديث عن محمد علي وفضائح الفساد. وفي يوم الجمعة قبل الماضي (20 سبتمبر)، عاش النظام وقوات أمنه حالة ارتباك وحيرة أمام دعوة محمد علي الأولى إلى التظاهر، ما ساعد على تدفق آلاف المصريين، وربما أكثر، إلى الساحات والشوارع الرئيسية في مدن كبرى للمرة الأولى منذ فترة طويلة، ما اضطر النظام لشن حملة اعتقالاتٍ اعتبرتها منظمة هيومن رايتس واتش الأكبر منذ الانقلاب العسكري، حيث طاولت أكثر من ألفي مواطن مصري خلال أسبوع، منهم أكاديميون ونشطاء سياسيون ناصروا مظاهرات "30 يونيو"، وناصر بعضهم إطاحة الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو/ تموز 2013.
كما دفعت مظاهرات "20 سبتمبر" النظام وقوات الأمن لتحويل وسط القاهرة وساحات رئيسية في المدن المصرية الكبرى إلى ساحات مغلقة بقوات الأمن المدجّجة بالسلاح لمنع خروج 
المتظاهرين يوم الجمعة "27 سبتمبر". وهو ما عرّض النظام لخسائر مختلفة، في مقدمتها تراجع صورته الشعبية، والصورة التي سعى إلى رسمها لنفسه نظاما مستقرا لا يواجه معارضة سياسية تذكر، إلا من قوى سياسية محدّدة. كما دفع النظام أعدادا وتجهيزات أمنية ضخمة ومكلفة، يصعب الحفاظ عليها في حالة تأهبٍ فتراتٍ طويلةٍ، ما قد يعرّض قوات الأمن لضغوط هائلة من الداخل قد تؤدي إلى انهيار صفوفها، كما حدث في 28 يناير/ كانون الثاني 2011.
رابعا: نجح محمد علي وأنصاره في هز صورة النظام المصري دوليا بشكل غير مسبوق، كما ظهر في حجم الإدانات الدولية لقمعه المتظاهرين، والتي أتت من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية الكبرى، وحجم التغطية السلبية التي حصل عليها من وسائل الإعلام الدولية الكبرى. وهي إداناتٌ لن تمرّ مرور الكرام. حيث كشفت المظاهرات حالة الغضب الشعبي من النظام الحالي، وكيف أنها تتخطّى ظاهرة "الإسلام السياسي"، والتي يسعى النظام إلى الترويع منها، كما تتخطّى قوى المعارضة التقليدية وشباب يناير. كما كشفت المظاهرات حجم القمع الأمني الرهيب الذي يعتمد عليه النظام في الحفاظ على صورةٍ زائفةٍ لاستقراره.
وقد يحظى النظام ببعض الدعم السياسي من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المحسوب على قوى اليمين المتطرّف، أو من حكومة بنيامين نتنياهو، وبعض الحكومات الخليجية المعارضة للربيع العربي. ولكن الواضح أن الأطراف السابقة تمرّ بحالة ضعف غير مسبوق. حيث يتعرّض ترامب نفسه لمحاولاتٍ لعزله من الكونغرس. هذا في مقابل تعالي الأصوات في أوساط قادة الديمقراطيين في الكونغرس مطالبةً بممارسة مزيد من الضغوط على النظام المصري، لاحترام حقوق المصريين في التظاهر السلمي. وهي مطالبُ يُتوقع لها الزيادة والانتشار في المستقبل.
باختصار، منح محمد علي، ومن استجابوا لدعوته، منحوا ثورة يناير روحا جديدة، منحوها خطابا سياسيا جديدا، ومساحاتٍ جديدة من الحراك الجماهيري، وزعزعوا استقرار النظام المصري وصورته في الداخل والخارج، بشكل غير مسبوق. ولعل البناء على تلك الإنجازات يتطلب الوعي بها أولا، ثم السعي إلى البناء عليها، وعدم الاستسلام لنوبات اليأس والإحباط التي أعاقت قوى يناير خلال السنوات الست الأخيرة. المطلوب من محمد علي وأنصاره الوعي بقوتهم، والبناء عليها داخليا وخارجيا، والاستمرار في المحاولة، والبحث عن مساحات جديدة للعمل والضغط والتغيير.