إميل زولا في رسائل "الأسبوع الدامي"

16 يونيو 2019
الصورة
(تصوير لجانب من أحداث الأسبوع الدامي)

شكّلت أحداث "الأسبوع الدامي" التي اندلعت في باريس في 21 أيار/ مايو 1871 واستمرت حتى يوم 28، آنذاك عودة النظام البرجوازي بالدم، وتعتبر تلك الأيام السبعة أحد أحلك أحداث الحركة الثورية الفرنسية.

قُتل خلال تلك الأحداث حوالي ثلاثين ألفاً، وسُجن أكثر من 46 ألفاً وحُكم عليهم بالسجن 95 عاماً، ورحل قرابة خمسة آلاف مواطن فرنسي. وإن كان التغيير المنشود في النظام الفرنسي آنذاك بدأ بالبهجة الشعبية والوحدة بين أهل باريس وكتائب الجيش، فقد انتهت الكومونة بالدم.

تحوّل الأمل الذي أثارته التجربة الثورية التي حكمت باريس لمدة شهرين، إلى يأس وانعدام ثقة، وأعاد جيش فرساي باريس إلى الوراء في ما يظلّ إلى اليوم الحدث الأكثر دموية في تاريخ المدينة، من هنا تأتي هذه الواقعة لتتصادى مع ما شهدته بعض البلدان العربية بعد مخاض تغيير أنظمتها، وتبدو الرسائل في وصفها قريبة من تاريخنا المعاصر.

الروائي الفرنسي إميل زولا (1820-1902) أحد المثقفين الذين اعتبروا ضد الكومونة، وقد صدر كتاب بعنوان "كتّاب ضد الكومونة" لبول ليدسكي، يتهم فيه زولا الذي كان صحافياً في "لا كلوش" و"سيمافور" عند اندلاع الأحداث، بوقوفه مع فرساي. لكن زولا لم يدّع يوماً بأنه ثوري، بخلاف بعض كتاباته الروائية التي وقف فيها مع الطبقة الفقيرة، لكنه في الواقع كان يسعى إلى نوع من الأرضية الوسطى بين الكومونة وفرساي، لكن هل يمكن القول إنه كان ضدّ كومونة باريس تماماً؟

تحت عنوان "الأسبوع الدامي" أصدرت دار الرافدين في بيروت، ترجمة لـ 13 رسالة كان زولا قد كتبها لصحيفة "سيمافور" في مارسيليا، مصوّراً للأحداث والفظائع التي رواها وصوّرها ونقلها من شوارع باريس، سيكتب بعد ساعات قليلة من نهاية الأحداث "لقد تمكنت من السير في باريس.. يا للفظاعة".

تروي رسائل زولا، من وجهة نظره، وعبر مشاهداته اليومية، الأيام الأخيرة من حصار باريس، قبل أن تسقط "الكومونة"، واصفاً أعمال العنف والقتل والتدمير والحرائق. لكن وسط ذلك كلّه، لا يخفى حبّ الكاتب لمدينته ورفضه تدميرها تحت أيّ مبرر.

الكتاب صدر بترجمة الشاعر إسكندر حبش، وجاء في تقديمه "قد يتفاجأ كثيرون من موقف زولا من "الكومونة" ومن دفاعه عن السلطة يومها، إذ إنه الكاتب الذي جاءت رواياته لتتحدث عن العمّال والمعدمين والفقراء، أي بمعنى آخر، جاءت لتقف ضد السلطة السائدة آنذاك، من دون أن ننسى بالطبع موقفه (في أواخر حياته) من قضية دريفوس، ورسالته الشهيرة إلى رئيس الجمهورية في مطلع القرن العشرين، ما دفعه إلى اختيار المنفى ويذهب إلى العيش في لندن".

نجد زولا في بعض المواضع يصف الجثث على ضفاف النهر والموت الجماعي الرهيب، ويرفض المحاكم العسكرية، ونجده أيضاً يرى أن عمليات القتل والترحيل ضرورية لأنه بعد الخوف الشديد، يجب معاقبة هذه "الطبقات الخطرة" إلى الأبد. ثم يعود ويتمنى العفو عن الثائرين.

تعيدنا رسائل زولا أيضاً إلى سؤال أساسي ومركّب عن موقف المثقف من الثورات وعلاقته بالأنظمة والسلطة، وإلى سؤال عن موضوعية الصحافي وصدق نقله للأحداث أياً كان موقفه منها، صراع يبدو أن زولا كان يخوضه وهو يكتب هذه الرسائل الجديرة بالرجوع إليها في زماننا.