إلياس فركوح... أثر القارئ الذي لا يُمحى

19 يوليو 2020
الصورة
(إلياس فركوح)
+ الخط -

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، كانت الخطوات الأولى لـ إلياس فركوح القادم إلى المشهد الثقافي بلباس أنيق وشعر مصفّف، خلافاً للصورة الشائعة التي رسمها معظم الكتّاب لأنفسهم كصعاليك غير مبالين بمظهرهم. لم يكن مجرّد اختلاف بالشكل بل تأكيداً على مغايرة في السرد؛ معنى ومبنى.

حافظ الروائي والقاص الأردني (1948 - 2020)، الذي رحل عصر الأربعاء الماضي، على تلك الهيئة حتى آخر نفَس، مسجّى على فراش الموت بكامل قيافته وأناقته بعد أن أحسّ بتعبٍ في نهاية دوامه المعتاد في "دار أزمنة للنشر" حاول مغالبته دون جدوى. لقد فارق الحياة في لحظة انغماسه فيها، وبمشروعه الذي آمن به، ورغبته في المزيد منها، تماماً كما تمنّى أن يغادرها.

يقول الطبيب حين دخل المستشفى الشهر الماضي إن أحد الشريانيْن التاجييْن مغلق بالكامل، وإن الآخر توسّع ليعوّض تدفّق الدم إلى القلب. حالة نادرة لا تستوجب تدخّلاً جراحياً قد يفسد ما ارتآه القلب من اقتراحات لاستكمال وظائفه، وأنه لا تزال هناك فسحة من الوقت لتأمّل الكتابة كفعل وإغواء وأثر واظب على تدوينها خلال السنوات الأخيرة، ولربما طغت على كافة انشغالاته، حيث لم يكتب القصة القصيرة منذ عام 2002 مع صدور مجموعته "حقول الظلال".

كان فركوح مشغولاً برواية خامسة لم ينه فصولها منذ سنوات، تشي مسوّدتها باختلاف واضح عن أربع روايات سابقة، أولاها "قامات الزبد" عام 1987 التي رصدت جانباً ممّا عاشه في بيروت حين انتقل إليها يشدّه الحلم إلى ثورة تقود إلى تحرير فلسطين، عضواً في أحد فصائل "منظّمة التحرير" الذي انضمّ إليه آتياً من حزب "البعث"، ليكتشف الخراب الذي يشيّد فضاءً تتحرّك فيه شخصيات العمل في تشظّي ذواتها بمواجهة الهزيمة.

كان مشغولاً برواية خامسة تشي مسوّدتها باختلاف عن سابقاتها

كتب صاحب "الصفعة" (1978) النص الأول ردّاً على هزيمة حزيران/ يونيو 1967، التي اقترنت بمدينة القدس التي عاش فيها طالباً في "مدرسة الفرير"، ولم يستطع العودة إليها بعد ذلك وظلّت حلماً بعيداً ومشتهى، ومنطلقاً للتفكير باستبداد الأنظمة العربية وفسادها وتجريفها للحياة وفشلها في التنمية، ما قاد إلى هبّات شعبية بعد نحو خمسين عاماً، بحسب ما قاله في مقابلة صحافية.

وعند بلوغ الثلاثين، أصدر مجموعته الأولى واثقاً من محاولاته التي عبّرت عن مناخات لا تتشابه مع السائد من موضوعات طغت خلال عقد السبعينيات، ليكتب عن شخصيات عادية بلا بطولات، يسعون إلى استيعاب واقع مدينتهم عمّان التي بُنيت من هوامشهم وحيرتهم وهواجسهم تجاه المكان، ثمّ واصل تجريبه في مجموعاته اللاحقة التي لن يغدو الحدث مادة أساسية فيها، بل هو مجرّد نقطة للتأمّل في مصير البشرية وحيواتها، واختبار مساحة مركّبة من الشعور والتفكير بما نفعل أو نتوهّم ضمن مسارات متعدّدة تصنع وعينا المتغيّر بالحدث نفسه.

نصوص نُسجت بحساسية عالية وخبرة لا تستسلم إلى قوالب ثابتة ولا تخضع إلى التنميط، ليخلص قبل نحو عامين إلى القول "ما زلتُ كاتباً هاوياً، أو لستُ محترفاً، وأرفضُ أن أصير"، معلّلاً قلّة عدد أعماله بالمقارنة مع مجايليه، بحرصه الكبير على ألّا يكتب نصّاً مُضافاً إلى ما سبقه من نصوصٍ يتّسمُ بسماتها، على صعيد البناء الكُلّي أو المشهدي التفصيليّ.

في روايته الثانية "أعمدة الغبار" (1996)، يلتفت فركوح إلى مآلات المثقّف المحاصَر عقب سلسلة إخفاقات متتالية عاشها المثقّف العربي مع انهيار المقولات والأيديولوجيات الكبرى، حيث جسّدتها في العمل شخصيات مقموعة سياسياً ومضطربة فكرياً ومصدومة اجتماعياً، وبدت مناقشاته لتلك المرحلة أوضح وأكثر عمقاً في أكثر من مقال.

كما يكشف كتابه "رسائلنا ليست مكاتب" (2016) عن مزيد من المراجعات عبر نصوص كتبها في العقد الثاني من الألفية الثالثة ردّاً على رسائل بعثها له الروائي الراحل مؤنس الرزاز (1951 - 2002) في السبعينيات والثمانينيات، برؤية نقدية كان فركوح يحمل بذورها الأولى منذ تلك الفترة حيال حزب "البعث" الذي انتمى إليه كلاهما، ومفهوم الأدب والالتزام، والثقافة والسياسة، وجملة ممارسات وأحداث قادت إلى ما نحياه اليوم من هزيمة استقرّت في وعينا قبل أن تتحوّل إلى واقع.

اتكأ في تجربته المتعدّدة على ما يسمّيه القراءة المحترفة

شكّلت تلك المساءلات منبعاً أساسياً لكتاباته وتفكّراته كما طرحها في نصوص عديدة منها روايته "أرض اليمبوس" (2007) التي يحيل عنوانها إلى المنطقة الوسطى بين الجنة والجحيم، وفق المفهوم الكاثوليكي، ويكتب فيها عبارة تعكس منظوره لفعل الكتابة "لا زلت لا أعرف. لا زلت أكتب"، في قراءته للحروب التي شهدها على مدار أربعة عقود، وحفرت آثارها عميقاً حيث يشير البطل/ الراوي إلى أن "ابنه الصغير تعلّم منها معرفة الوقت".

لن تغيب الحرب كذلك عن روايته "غريق المرايا" (2012)، وكأنها النافذة التي ينظر من خلالها إلى مدينته عمّان، التي أرّخ لها من خلال اقترابه الوثيق من شخصيات عمّانية حيّة مصوّراً هشاشتها وخيبات أملها في الحب وفي الحياة، وتنوّع سلوكياتها ومصائرها، وتفاعلها الذي لا ينتهي مع المكان، لتكتب تاريخه وذاكرته في سردٍ يضيء عليها أكثر من اعتنائه بإعادة رواية الأحداث الكبرى.

اتكأ في تجربته المتعدّدة؛ روائياً وقاصاً ومترجماً وناشراً، على ما كان يسمّيه "القراءة المحترفة" التي أتقنها كفعل يومي يؤثّث ليله الطويل، يميّزها ذلك البطء الشديد والتركيز المكثّف في معاينة كلّ ما يقرأ، ليبني على تمهّل آراءه حول الكتابة وأصحابها، حيث المعنى يتولّد بعد طول استمتاع وتلذّذ بجماليات النصوص التي أحبّها وتذوّق حلاوتها، "لتصبحَ ذات يومٍ كتاباً أسكب فيه معناي الذي أشكّله بوعيي وتعقّلي"، على حدّ قوله.

احترافٌ انعكس على خياراته، سواء في النصوص التي ترجمها بنفسه أو دفع به إلى آخرين لترجمتها وإصدارها عن "دار أزمنة" التي أطلقها عام 1992 (امتداداً لـ"دار منارات" التي شارك في تأسيسها الشاعر طاهر رياض) وكانت ثمرة هذا المشروع نقل مئات الكتب من لغات وثقافات عدّة شكّلت إضافة غنية للمكتبة العربية، وكذلك في إصداره سلسلة "تباشير" خلال التسعينيات، التي يوحي عنوانها بأوّل كلّ شيء من طلع النخل والزهر والضوء، وليس بمعنى التبشير بها أو اعتبارها فرعاً عن أصل، كما حلم حين أصدر المجموعات الأولى للعديد من الكتّاب الأردنيّين الذين استمرت تجارب بعضهم وتطوّرت وصولاً إلى اليوم.

رحل إلياس. رحل الرجل الذي كان أحد أبرز الفاعلين في المشهد الثقافي الأردني، والعربي عموماً، حيث عاش الحياة كأنها ورشة متواصلة، يتعلّم منها كثيرون كان لها أباً يمنحهم كلّ ما يملك من وعي وإرادة دون وصاية عليهم، لا همّ له سوى استنطاق الإبداع والجمال.

المساهمون