إلى مثقّفي سوريّة بشأن الثورة
انطلقت الثورة السوريّة على يد أطفال درعا، حين هتفت حناجرهم الصغيرة بشعاراتٍ، اقشعرت لها الأبدان، كانت البداية كالصاعقة، ولسان حال المثقّفين يتساءل: هل نحن في حلم، أم في حقيقة؟ هل نحن في سورية أم على القمر؟ هل نحن بشر كالآخرين؟
نعم، كانت صورة صحيحة عن ثورة حقيقيّة، عندما امتدّت شرارتها إلى كلّ المدن والبلدات السوريّة، من الجنوب حتّى الشمال والشرق، امتدت إلى قلوب عامة الشعب السوري. حينئذ أدرك المثقّفون اقتراب اللحظة المفصلية بين عهود طويلة من الذلّ والخنوع والتدجين ومستقبل واعد بحريّة ينتظرها شعب توّاق لها.
هي لحظة تاريخيّة، ستسجّل في سورية، ولا تخصّ غيرهم، ستصبح مداداً للعزّة والفخار، ستصبح منارة لبقيّة الشعوب التي مازالت تعاني الطغيان والديكتاتوريّة، التي تستبيح آدميتها، اليوم أصبحت الثورة السوريّة حياة كاملة لكل المثقّفين، فهي المأكل والمشرب والفكر والنقاش والجدل المستمر، حتّى أدركوا انخراطهم بالثورة باللاشعور، فشارك كثيرون منهم في المظاهرات، في أثناء عهد السلميّة، فكتبوا الشعارات، وصاغوها ورسموا توجّهاتها، وتحمّل عديدون منهم أعباءها، فأصبحوا رموزاً ثوريّة، فيما عانى كثيرون من الملاحقات الأمنيّة والاعتقالات والتعذيب.
في هذا الوقت، أحسّ النظام، وشعر بخطر سيهدّد وجوده وكيانه، ففقد صوابه، وجنّ جنونه، مستخدماً الحديد والنار، لقمع الثورة، وبشراسة لم يعهدها أيّ شعب ثار ضدّ الديكتاتوريّة والاستبداد، فشهر سيف جبروته، سائراً على نهج سلفه، عندما دمّر حماه، وقتل وأعدم الآلاف بمجازر جماعيّة، واعتقل وهجّر عشرات الآلاف أيضاً، معلناً فوزه بقمع الثورة حينها، منتشياً بنصره أمام العالم الذي لم ينبس ببنت شفّة.
فكيف للنظام ألّا يفعلها، الآن، خصوصاً وأنه يتبع مرجعية تعتبر من أشهر دكتاتوريّات العالم، في التعامل مع شعبها، وهما إيران وروسيا، عندما أعلنوا دعمهم اللامحدود لفساد النظام في قمع الثورة، فكان لزاماً على الثوّار، وكل من أيّد مبادئ الثورة، أن يرد عليه، ويعلن مقارعته بكل الطرق والوسائل المتاحة، كي لا تفشل الثورة، وتتكرر مأساة حماه، فيبقى النظام للأبد على طغيانه المعهود.
ولكي تنجح الثورة، لابد من تنظيم الجماعات التي حملت السلاح، من دون أي تخطيط، أو قيادة عامة توحدهم، أو حتّى بالتنسيق معهم على أقل تقدير، وعلى الرغم من ذلك، حققوا نجاحاً لم يتوقّعه الغير، فبدأ الثوار بالازدياد، وتشكلت الكتائب والألوية والفيالق، فكانت تلك لحظات اللاعودة إلى الوراء. فإما انتصار للثوار والثورة، أو الموت والخراب والدمار والذل والقهر لمن بقوا على قيد الحياة.
اليوم، بات العمل الكفاح المسلّح عنوان نضال سورية الثوري، وعندها تباينت مواقف المثقّفين من مجرياتها، فقلّة منهم أيّد الكفاح المسلّح، من دون المشاركة فيه، وقلّة أخرى رفضته، وعادته مطالبة بالعودة إلى السلميّة، أمّا الغالبيّة من مشوشي الأفكار والمواقف فقد دفنوا رؤوسهم في الرمال، وخصوصاً بعد التجاوزات الشنيعة التي قامت بها كتائب مسلّحة من خطف وقتل وسرقة وسلب ونهب وتخريب للأملاك العامّة، مستغلّين الفوضى الحاصلة، عدا التكلّم عن تجّار الحروب وأمرائها الذين أتقنوا جمع المال، مستغلّين ظروف الحرب.
لم يبق في ساحات المواجهة إلّا قلّة من الرجال الأبطال والشرفاء، ممن يحاربون نظام الأسد، واشتدّت مواجهاتهم له، بعد إكثاره من استخدام البراميل المتفجّرة وصواريخ السكود والأسلحة الكيميائيّة على الشعب الأعزل.
اليوم، يقدر شهداؤنا بعشرات الآلاف، وجرحانا مثلهم وأكثر، أمّا الخراب والدمار فحدّث ولا حرج، ولا زال الشعب السوري يدفع فاتورة ذلّ، عاشه أربعة عقود وأكثر، بسبب ديكتاتور تلاه ابنه، وهنا السؤال أين الطبقة المثقّفة ممّن أيّد الثورة؟
لماذا الصمت يخيّم عليكم، ألستم ممّن دفعتم أيضاً نصيباً كبيراً من فاتورة الظلم والقهر، لماذا الصمت، لماذا الهروب إلى الأمام والخلف، والتخبّط بعشواء؟
خيارات المستقبل مفتوحة أمامكم إلى حدّ هذه اللحظة، وهي: إمّا الضياع والفوضى عقوداً أطول من عقود الذل والخنوع التي عايشتموها سابقاً، أو الذل والقهر في ظل ولاية تابعة لإمبراطورية فارسيّة، أو أفغانستان أخرى، أو الحريّة والكرامة، ولكن ثمنها غالٍ ولن يتصوّره أحد منّا.
أوجّه تساؤلاً مثيراً للاهتمام: أين كتائب الأطبّاء وألوية المهندسين وفرق المحامين وسرايا المعلّمين؟
تأخّر الأوان، لأن تهبّوا وتنفضوا غبار اليأس عنكم، ولكن الأمل موجود بكم، فانزعوا الخوف من قلوبكم، وضحّوا بحقوقكم التي يستغلّها النظام، لتأمين ولائكم، وسكوتكم على أفعاله، لابدّ من التحرك، وملء ساحات القتال، فهذا البلد لكم، وأنتم الأولى برعايته، والأجدر بقيادته، هبّوا، وأنا واحد منكم، إمّا الحياة بكرامة والموت باعتزاز أو معايشة الظلم حتّى عهد أبنائي وأبنائكم. فاختاروا.