إلى صديقي الغائب

15 أكتوبر 2019
+ الخط -

كنتُ ملازماً زميلاً وصديقاً عزيزاً عرفته عن قرب وأقدّره وأجلّه جداً.. وهذه العلاقة استمرت  بيننا لأكثر من خمسة وثلاثين ربيعاً، إلاّ أنّي أجده، وللأسف، يقف بعيداً عني أميالاً وأميالاً من دون ذنب اقترفته، وكل ذنبي أنّي غادرت البلد هرباً من واقع مؤسٍ، وحرب مدمّرة أتت على كل شيء، مع أني لم أبخل يوماً في إعانته قدر المستطاع أو في تقديم يد المساعدة له، وهو في الواقع لم يقصّر في خدمة أو مساعدة ما.

وأجدُ أنه من باب الاحترام والود، اللّذين أعلقهما وساماً على صدري، وهذا طبع متجذّر فينا، وما تعلّمناه من تجارب شخصية أن أحافظ على هذه العلاقة من الترهّل مهما أصابها من فتور، وعلى الرغم من الجسور التي تقطعت بها كل السبل بعد أن كانت تجسّد قمّة في الود والإخلاص والوفاء التي عرفته خلال سنواتها المبعدة التي شهدتها، وكانت مثار فخار واحترام الكثير من الأصدقاء.

وكان صديقي مثالاً يُحتذى في خدمة الناس، كل الناس، صغيراً كان أم كبيراً، ومحبوباً بطبعه. وهو من سلالة طيّبة، وعرق أصيل، ومن ثوب كريم لم يفصلني عن لقائه يوماً، وطوال السنوات الماضية التي قضيناها مع بعضنا بعضاً في ود وتراحم، أيّ عارض ما إلاّ بسبب الأشغال التي نقوم بها وكانت بالكاد تخرج عن إرادتنا.


كان بالنسبة لي وما زال، مدرستي وموجهي الأول. تعلمتُ في ظلّه الكثير في معرفة الناس، وكنت دائماً أشبهه بمثابة وزير خارجية، وهو يصلح لذلك لا سيما أن هذه الصفة تليق به عن جدارة، نتيجة خبرته الطويلة في الحياة، على الرغم من صغر سنه، وعلاقاته الواسعة مع الناس وإحساسه المرهف، والأهم من كل ذلك دمث أخلاقه وأسلوبه المنمّق الذي ينمّ عن شخصية متزنة لها وزنها..

إنه إنسان واعٍ وذكي جداً، ولمّاح إلى حد بعيد. متميّز في فطنته وأخلاقه وحتى في حنكته وتقاليده التي جُبل عليها، وفي الأعراف التي ينتمي إليها، فضلاً عن حسّه الإبداعي، وفي التفاتته التي تخلو من أي لون من ألوان الحقد أو النميمة!

إنسان كبير بفكره، ومحبوب بتصرفاته، وأكثر ما يمكن أن أقول عنه، أو أقدمه للناس أن أعرفهم به على أنه إنسان نشط جداً، محب لفعل الخير، ميال لأصدقائه ودافعه خدمتهم من دون تذمّر.

إنه بسيط جداً في مظهره، ومتفهم أكثر لعمله الذي يوليه أهميةً كبيرةً، ولعلاقاته الطيّبة مع شرائح المجتمع. إنه صديق الطفولة والشباب معاً..

لهذا الصديق أقول، وعلى الرغم من الفراق والبعد الذي فقدنا فيه أجمل الذكريات وأيام الصبا ورياحين النعناع البري وأصالته، فإنّ محبته تظلّ محفورة في قلبي وفي وجداني وفي ضميري، على الرغم من أنه بادر متحدياً قطع صلة العلاقة التي ربطتنا يوماً، وفي أعلى مراحلها، ومن دون مبرّر.. ورغم أني حاولت مراراً إعادة العلاقة به من خلال التواصل معه إلاّ أنه كان يبرر ذلك بذرائع مختلفة لا يمكن أن تفوت أو تغفل عن أحد.

وكما يبدو، أنه فضّل الاعتكاف في بيته على علاقاته بالأصدقاء والمحبين، فلم تعد تعني له العلاقات مع الأصدقاء أو غيرهم أي شيء! كل ما أصبح يهمّه الاهتمام بنفسه وبأبنائه، وهذا حقه، والبعد عن أي صديق مهما كان.. ولم أظن أني في يوم ما قصرت في أي شيء تجاهه، بل كنت من أقرب الناس له محباً مخلصاً ودوداً، وهذا طبع جُبلت عليه لا يمكن بحال أن يتغير فيَّ، أو يغير الزمن والمكان ما أنا عليه.

يظل بالنسبة لي صاحب فضل كبير، وخدماته لا يمكن لي أن أنساها أو أتناساها، فهي مغروسة في وجداني وفي ضميري، وهو من أرفع الناس بالنسبة لي مقاماً وأحبّهم إلى قلبي مهما أبعدته الأيام عنّي، وبلغت به قطع صلة العلاقة والود، ورفض التواصل وأياً كانت الذريعة!

ومع كل هذا فإنّي أعذره وأكن له كل المحبّة والود والإخلاص، لأنه من منبتٍ طيّب ومن أسرة كريمة مشهود لها بالكرم والنبل والوفاء.