إلغاء العتبة الانتخابية بالمغرب: تعددية أم تحجيم لـ"العدالة والتنمية"؟

22 يوليو 2020
الصورة
تبلغ العتبة الحالية 3 في المائة (جلال مرشدي/الأناضول)

في الوقت الذي انتقلت فيه عملية التحضير لانتخابات 2021 التشريعية في المغرب، إلى مرحلة الحسم السياسي، بعد تقديم الأحزاب السياسية تصوراتها حول تعديل القوانين المؤطرة لهذه العملية إلى وزارة الداخلية، عاد إلى دائرة الجدل مجدداً، موضوع العتبة الانتخابية (نسبة الأصوات للحصول على مقعد بالبرلمان). ويأتي ذلك، في وقت يتوقع فيه مراقبون أن تثير هذه المسألة نقاشاً قوياً خلال الجولة المقبلة من المشاورات بين هذه الأحزاب والداخلية بشأن التحضير للاستحقاق الانتخابي المقبل، بعدما ظلّت مثار جدل خلال الجولة السابقة، وسط دفع بعض الأحزاب، لاسيما تلك المصطفة في خانة المعارضة، في اتجاه إلغائها.
وتنص الفقرة الثانية من المادة 84 من القانون التنظيمي رقم 20.16 المتعلق بمجلس النواب، الغرفة الأولى للبرلمان المغربي، على تخفيض نسبة العتبة المطلوبة للمشاركة في عملية توزيع المقاعد في الدوائر الانتخابية، من 6 في المائة إلى 3 في المائة، بعدما جرت انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 بعتبة وصلت إلى 6 في المائة. وتعتبر العتبة الانتخابية، والبالغة حالياً 3 في المائة، هي الحد الأدنى من الأصوات المحصّلة في الانتخابات البرلمانية، وهو ما يشترط القانون على كل حزب تأمينه حتى يتمكّن من الحصول على أحد المقاعد المتنافس عليها في أي دائرة انتخابية. وبالتالي، فإنّ الحزب الذي يحصل على أقل من هذه العتبة، لا يُسمح لمرشحيه بدخول المنافسة للفوز بالمقاعد.

أي تغيير في مستوى العتبة بالدوائر الانتخابية، سيؤدي إلى إفراز خريطة انتخابية مختلفة عن الموجودة حالياً

ولئن كانت قد جرت العادة في المغرب قبل أي انتخابات تشريعية، أن تخضع القوانين الانتخابية إلى تعديلات بناءً على ما تقترحه الأحزاب، وما تقدمه وزارة الداخلية من مقترحات في المشاورات السياسية التي ترعاها رئاسة الحكومة، فإنه ينتظر أن تكون العتبة الانتخابية على رأس القضايا التي ستكون محط شدٍّ وجذب خلال الجولات المقبلة من النقاشات، إذ إن كل تغيير في مستوى العتبة بالدوائر الانتخابية، سيؤدي إلى إفراز خريطة انتخابية مختلفة عن الموجودة حالياً.
ويبدو لافتاً، قبل انطلاق الجولة الثالثة من المشاورات السياسية تحضيراً لانتخابات 2021، وجود اتجاه قوي داخل أحزاب المعارضة، نحو دفع باقي الفرقاء إلى الاتفاق على إلغاء العتبة، بحجة أن ذلك سيساهم في توسيع تمثيلية الأحزاب السياسية داخل البرلمان، وتوسيع دائرتها كذلك، وذلك عبر فسح المجال أمام دخول الأحزاب الصغرى.
وترى أحزاب المعارضة (الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، التقدم والاشتراكية) أن تخفيض أو إلغاء العتبة الانتخابية يعدّ مطلباً ضرورياً وملحّاً في الديمقراطيات التي تتيح لجميع الأحزاب المشاركة في الانتخابات البرلمانية من دون سقفٍ محدد أو عتبة تضع شروطاً للمشاركة وقبول الأصوات. وفي حال اعتماد إلغاء العتبة، فإن ذلك سيمكّن من تمثيل مكونات سياسية لها دورها ورمزيتها في البرلمان، من أبرزها فيدرالية اليسار الديمقراطي الممثلة حالياً من خلال برلمانيين اثنين، وحزب التقدم والاشتراكية، الذي فقد كتلته النيابية في الولاية التشريعية الحالية، ويشتغل بمجموعةٍ نيابية.
لكن، في المقابل، قد يتحول مطلب إلغاء العتبة الانتخابية إلى وسيلة "شرعية" لمحاصرة حزب العدالة والتنمية، قائد الائتلاف الحكومي الحالي في المغرب، والطامح إلى قيادة الحكومة للمرة الثالثة على التوالي، من خلال تقليص اكتساحه لصناديق الاقتراع، وذلك بحرمانه من الامتياز الذي يمنحه له بقاء العتبة الحالية (3 في المائة)، إذ إن إلغاء العمل بهذه النسبة سيمدد قائمة لوائح المرشحين، من خلال مشاركة جميع لوائح الترشيح بدائرة معينة في عملية توزيع المقاعد، ما يعني أن الحزب الإسلامي، الذي اعتاد أن تظفر لوائحه في العديد من الدوائر الانتخابية بمقعدين، ستتقلص حصيلته النهائية في النزال الانتخابي، ويقل الفارق بينه وبين منافسيه، خصوصاً حزبا التجمع الوطني للأحرار (المشارك في الأغلبية الحالية)، والأصالة والمعاصرة (أكبر حزب معارض).
وتعليقاً على النقاش الدائر حول مطلب إلغاء العتبة الانتخابية في تشريعيات 2021، التي سيفرز على أساسها التحالف الحكومي الذي سيقود المغرب لخمس سنوات أخرى، يرى أستاذ القانون الدستوري في جامعة ابن طفيل بالقنيطرة (غرب المغرب)، رشيد لزرق، أن إبقاء العتبة الانتخابية سيكون له تأثير سلبي على مستقبل الخيار الديمقراطي، لكونه يقتل جوهر النظام المغربي والمتمثل في التعددية الحزبية، وإقصاء الكفاءات التي لا تجد لها فضاءً في منظومة حزبية يسيطر عليها أفراد بعينهم.

قد يقلص إلغاء العتبة الانتخابية الحصيلة النهائية لـ"العدالة والتنمية" في النزال الانتخابي، ويقلل الفارق بينه وبين منافسيه

ووفق لزرق، فإن إلغاء العتبة، يمكن أن يعكس التنوع والتعدد الذي يتميز به المجتمع المغربي، ومواجهة القطبية التي ظهرت خلال المحطة الانتخابية لـ2016 بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، وهي القطبية التي لم تكن بمضمون سياسي، وأفرزت تهميشاً لباقي الأحزاب، كما تسببت  بـ"البلوكاج" (الانحباس) الذي عاشه المغرب بعد تكليف رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، من خلال التكتل الرباعي (العدالة والتنمية، والتجمع الدستوري، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية).
وبحسب أستاذ القانون الدستوري، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، فإن واقع الحال يشير إلى أن العتبة لم تؤد إلى الغاية المبتغاة منها، والمتمثلة في ترشيد المشهد السياسي، عبر تحفيز الأحزاب الصغرى أن تتحالف في ما بينها، وتتكتل في سبيل نيل مقاعد لها داخل البرلمان. ولفت إلى أن الإبقاء على العتبة سيزيد المنظومة الحزبية ضعفاً في مقابل مزيد من سيطرة قوى الإسلام السياسي وقوى رجال المال والأعمال، ما ينذر بالكثير من الكوارث السياسية. ويعتقد لزرق أن المنظومة الانتخابية الحالية أظهرت العديد من النقائص، ما يقتضي إدخال مجموعة من التعديلات من أجل تطوير القانون، حتى يستجيب للروح الأساسية للانتخاب الديمقراطي، وهي إفراز أغلبيات تحقق الاستقرار والاستمرار.