إفساد "الطبقة الوسطى" في مصر

إفساد "الطبقة الوسطى" في مصر

14 يوليو 2015
الصورة

الطبقة الوسطى قادت ثورة يناير (يناير/2015/الأناضول)

+ الخط -
تمثل الطبقة الوسطى عصب التغيير في أي مجتمع. وهي المسؤولة نظرياً عن توليد النخبة البرجوازية التي من مهامها قيادة التغيير. هذا ما تقوله الأدبيات الأكاديمية فيما يخص مسألة التحول الديمقراطي. لذا تحرص الأنظمة السلطوية على تحجيم هذه الطبقة إما من خلال الإفساد أو الحصار والإفقار. 
وفي مصر حدثت عملية إفساد ممنهجة للطبقة الوسطى بمختلف شرائحها (الدنيا والعليا والوسطى) بشكل جعل قطاعاً كبيراً منها ليس فقط مستأنساً، وإنما أيضا رافضاً للتغيير وأحيانا كارهاً له لأنه قد يؤثر سلباً على مصالحه وامتيازاته. ولا تخلو مؤسسة عامة أو مصلحة حكومية مصرية من مظاهر هذا الإفساد والإفقار. ورغم تعدد مداخل الإفساد فإن أهمها على الإطلاق هو ربط الحراك والترقي الاجتماعي بمدى الخضوع للدولة والنظام وعدم التفكير في تغييرهما، مع محاولة التزلف والتقرب من مواقع النفوذ والسلطة.
هذه المقايضة التاريخية جعلت شخصاً محدود المواهب والقدرات مثل مبارك يحكم مصر ثلاثة عقود. وهي المسؤولة عن عملية التجريف والتجفيف والتحريف التي حدثت للشخصية المصرية فى كافة المجالات، من تعليم وثقافة وإعلام وسياسة وقضاء وجيش وشرطة، والتي نرى آثارها ماثلة للعيان الآن في كافة هذه القطاعات. والأسوأ أن هذه المقايضة التاريخية أعادت تشكيل النظام الاجتماعي في مصر ليس فقط بين من يملك ومن لا يملك، وإنما بين من يحق له أن يملك ومن لا يحق له. فبموازاة هذه المقايضة تم خلق مجتمعاً موازياً (أو بالأحرى طبقة اجتماعية) ترى في الدولة غنيمة، وفي مزاياها حقوقاً مكتسبة لها ولأبنائها وأحفادها. هذه المقايضة أيضا وضعت شروطاً قاسية للحراك الاجتماعي أهمها: "إذا أردت أن تنتمي لنا، فيجب أن تكون مثلنا" تم على أثرها تشويه القيم الاجتماعية وتنميطها بشكل يخدم السلطة بالأساس وليس المجتمع.
خذ على سبيل المثال، قطاع الشرطة الذي تحوّل إلى أداة مهمة للترقي الاجتماعي، ولتحقيق النفوذين المالي والشخصي خلال العقدين الماضيين. انظر حولك سوف تجد بين أصدقائك وأقاربك أو معارفك من يعمل بهذا القطاع، وسوف تجد أنهم الأقل علما وكفاءة وموهبة لكنهم الأكثر سلطة وسطوة ونفوذاً. لذا ليس غريباً أن يدفع كثير منهم مئات الآلاف من الجنيهات من أجل دخول أكاديمية الشرطة. فهو يدرك جيداً أن ما سيجنيه بعد التخرج سوف يتجاوز أضعاف ما دفعه. وخذ سلك القضاء كي ترى كيف قضت سياسات مبارك على معايير العلم والكفاءة والمهنية كي تحل محلها معايير التوريث والوساطة والرشاوى والمحسوبية. فكان أن تحول سلك القضاء من منبر تتجسد فيها معاني وقيم العدالة، إلى مجرد أداة طيعة في يد السلطة تستخدمها كيفما تشاء ووقتما تشاء. أنظر حولك ستجد قاضيا أو مستشاراً أو عاملاً في سلك القضاء، وسوف يصيبك الذهول من حجم التسهيلات والمنح والحوافز والمزايا التي يرفل فيها هؤلاء من سكن وعربات ونواد وأراضٍ جرى الحصول على معظمها من خلال استغلال علاقات النفوذ والقوة مع السلطة. وكان مقابل ذلك هو الصمت على تغوّل السلطة التنفيذية والتنازل الطوعي عن الاستقلالية التي كفلتها كافة الدساتير. أما المقايضة والتدليل الأكبر فهي داخل السلك العسكري بخاصة في المستويات العليا التي تتداخل فيها علاقات الولاء والنفوذ والسلطة، وتحكمها شبكة عميقة من المصالح المتقاطعة التي جعلت الجميع تحت طوع الحاكم ورهن إشارته.

خذ أيضا المجال الصحافي والإعلامي. سوف تجد كثيراً من المنتمين لهذا المجال ممن حدثت لهم عملية "تمدين" سريع ومشوّه خلال العقدين الأخيرين. فقد انتقل معظمهم من الريف إلى المدينة وحاولوا الذوبان بها وبثقافتها وقيمها مقابل أي ثمن وذلك علي طريقة "محفوظ عبد الدايم" في فيلم "القاهرة 30". أعرف كثيراً من هؤلاء الذين رحلوا عن قراهم وريفهم أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات ولم يكن لديهم قريب أو صديق فى العاصمة المصرية "القاهرة"، وكان هدفهم أن يصبحوا من أهل المدينة وبعدها من أهل النخبة. بعضهم نجح بفضل مجهوده وذكائه في أن يخترق الصفوف ويقترب من السلطة، وكثير منهم فعل ذلك من خلال المداهنة واستمراء الفساد بل والتورط فيه. لذا تجد أكثرهم الآن يدافع عن السلطة العسكرية ليس قناعة وإنما رغبة فى ضمان مصالحه وعدم إغضاب مموليه الذين هم أيضا في علاقة تحالف وزواج مع هذه السلطة.
صحيح أن من قام بثورة يناير كانوا شباباً من الطبقة الوسطى، ولكنهم جيل جديد لم يتلوث معظمه بإرث مبارك، ولم تتمكن الدولة من شراء ولائهم مثلما فعلت في الجيل الأكبر، وإن كان بعض هؤلاء الشباب قد انقلب على الثورة وارتمى في أحضان العسكر بعد انقلاب الثالث من يوليو.
وبالبرغم من أن مسألة تغيير الوعي السياسي لدى الطبقة الوسطى المصرية قد تبدو صعبة بخاصة فى ظل عملية "غسيل الأدمغة" التي تجري على قدم وساق حالياً، لكن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يتبعها النظام الحالي سوف تدفع، إن أجلا أو عاجلاً، بتغيير هذا الوعي ولربما تؤدي إلى نهاية التحالف غير المكتوب بين الطرفين، بما قد يهدد بقاء هذا النظام ويكتب شهادة وفاته.