إفراط في التفريط

10 اغسطس 2020
الصورة
فيضانات في الخرطوم قبل أيام (محمود حجاج/ الأناضول)
+ الخط -

آدم إبراهيم نازح بيئي، قدِم بأسرته إلى العاصمة الخرطوم عندما ضنّت عليه بيئته بأهم حاجاته، فخشب الوقود أصبح توفيره كالماء يحتاج مسيرة ساعات في كل يوم، ولربما يتعرض الأبناء، والنساء خاصة، لمجموعات المتفلتين من مهددي السلام. كثيرون مثله لم يجدوا مأوى سوى البنايات. يعمل آدم حارساً لإحداها، بينما يمارس أعمالا هامشية، من بينها مهنة الجزار المتنقل، حيث مثّل عيد الأضحى موسماً لممتهني هذه المهنة، يتلقون عليها أجراً بجانب تنازل الأهالي عن أجزاء من الذبائح، أهمها الجلد. بيد أن الأمر اختلف كثيراً هذا العام، إذ لا أحد رغب في استلام الجلود، ولم يتمكن الكثيرون من تخزينها بعد المعالجة، فقد زاد الأمر سوءاً بهطول الأمطار الغزيرة ذلك النهار، أي بعد سويعات من نحر المبكرين لأضحياتهم، وتواصلت أعمال النحر في ظل تواصل الهطول لليوم الثاني والثالث والرابع للعيد.
تقول آخر الإحصائيات (2017) إن سكان الخرطوم قد تجاوزوا الثمانية ملايين، ولا توجد إحصاءات دقيقة لعدد الأسر، بيد أن إحدى الدراسات حول النازحين تقول بوجود قرابة المليون أسرة. هذه الأسر المستقرة التي تنحر الذبائح لم تجد جهة تستلم منها الجلود، مثلما كان يحدث في الأعوام السابقة، حيث كانت تتلقفها المحليات، والمساجد والمبادرات الخيرية.
لن يفيد أن نؤشر نحو جهة بعينها تعمل جهدها لإفشال الثورة وزيادة السخط الشعبي على الحكومة الانتقالية، فقد حدث ذات الأمر في مصر في العام الماضي، حين فضل السكان التخلص من الجلود في المصارف والشوارع والترع، نسبة لانخفاض أسعارها. إلا أن الأمر هنا في الخرطوم ازداد سوءاً بانتشار القطعان في كافة الشوارع والميادين والساحات الصغيرة. مئات الآلاف من القطعان، القادمة من الولايات، والمزارع المحلية.
كيف غضّت السلطات الطرف عن هذه الفوضى خاصة في موسم الخريف، الأمر الذي ينذر بتلوث على أكثر من مستوى؟ لماذا لم يتم تخصيص أماكن محددة تحت بصر السلطات المحلية، تتمكن بعدها من إزالة المخلفات؟ ولماذا لم تعمل الجهات المسؤولة على إرشاد المواطنين حول كيفية التعامل مع الجلود ريثما يتم استلامها، بوصفها ثروة قومية ذات أهمية اقتصادية كبرى؟ ألا يعتبر الأمر إفراطاً في التفريط؟

موقف
التحديثات الحية

سكان العاصمة وبعض المدن والقرى موعودون بموجة جديدة من الأمراض التي يتسبب فيها انتشار الحشرات من ذباب وديدان وهوام أخرى، بجانب تلوث الهواء بالروائح الكريهة نتيجة للتعفن البكتيري للجلود، ومخلفات الذبائح الأخرى، مع النفايات المتراكمة قبلاً، كل ذلك في ظل غرق الشوارع والساحات بمياه الأمطار التي لا تجد فرصة للتصريف الكافي.
(متخصص في شؤون البيئة)

المساهمون