إعلان وقف الهجمات ضدّ السعودية: تهدئة بشروط حوثية إيرانية

21 سبتمبر 2019
الصورة
الحوثيون كثفوا أخيرا هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة (فرانس برس)
توقيتٌ سياسيٌ دقيق، اختارته جماعة أنصار الله (الحوثيين)، مساء أمس، ومن خلفها إيران، للإعلان عن وقف هجماتها بكافة الأشكال تجاه السعودية، بعد أسبوع واحد، من الهجوم الأكبر الذي استهدف منشأتين لـ"أرامكو"، وأوقف نصف صادرات النفط السعودي، وترك الرياض بين هول الصدمة من الخسائر التي خلفها الهجوم، وحسابات الرد، التي قد تبدو مكلفة، قبل أن يطل الحوثيون لعرض ما يعتبرونه "قارب النجاة" للسعوديين، ولكن بالشروط الإيرانية الحوثية، التي لطالما رفضتها الرياض.


وإذا كان الإعلان من حيث المضمون لا يقدم الكثير مما يمكن اعتباره جديداً، إلا أن أهمية الخطوة تتمحور حول التوقيت المبني على المستجدات اليمنية والإقليمية، أبرزها، وبلا منافس، الأزمة السعودية، في أعقاب أكبر هجومٍ تعرضت له، وما لحق بها، على إثره، ابتداءً بالخسائر الاقتصادية، مروراً بـ"انكشاف" الأسلحة الدفاعية التي أنفق السعوديون عليها مليارات الدولارات دون أن تتمكن من اعتراض أي من الطائرات المسيرة والصواريخ، والأهم من ذلك، موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع حليفه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والذي يسعى لاستغلال الهجوم للمطالبة بـ"الدفع مقابل الحماية".

ولا يتوقف الموقف الصعب بالنسبة للسعودية، على تبعات هجوم "أرامكو"، بما في ذلك أفق الخيارات غير الواضحة الملامح أو النتائج، بالنسبة لأي رد عسكري تجاه إيران، بشكل خاص، بل إن الإعلان الحوثي-الإيراني عن وقف العمليات العسكرية تجاه الرياض يقدم إغراءً بالنسبة للأخيرة في ظل المأزق الذي تواجهه في الجنوب اليمني، على إثر الانقلاب الذي قادته الإمارات للإطاحة بالحكومة الشرعية في المدن الجنوبية، واعتبر السعوديون مراراً وتكراراً أن التصعيد هناك يصب في خدمة طهران، دون أن يجد ذلك آذاناً صاغية لدى الإماراتيين، على نحوٍ التقت فيه التحركات الإيرانية - الإماراتية لتحاصر الرياض في الملف، الذي يعتبر أولوية بالنسبة لسياساتها الخارجية، وهو اليمن.
وسواء بالنسبة إلى تبعات هجوم بقيق وخريص، أو فيما يرتبط بالتعقيدات اليمنية، يبدو السعوديون أحوج ما يكون إلى الوقتٍ على الأقل لاسترداد الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق، بناءً على المستجدات التي كشفت نقاط ضعفهم الدفاعية، إلى جانب حالة الشعور بالريبة والخذلان من حلفائهم الغربيين (الأميركيين على وجه التحديد)، وكل ذلك يجعل من الإعلان الحوثي، غير الجديد مضموناً، خياراً يمكن التعامل معه سعودياً، على الأقل، خصوصاً إذا ما كانت هجمات الـ14 من سبتمبر/أيلول الجاري، لا يزال بالإمكان أن تتكرر في أي لحظة، في قادم الأيام، وفقاً لتهديدات أطلقها الحوثيون، وإن كانت أظهرتهم في الأسابيع الأخيرة، على الأقل، كما لو أنهم فقط لسان لما تقوم به وتريده طهران.


في المقابل، وعلى الرغم مما يمكن اعتباره دافعاً للسعوديين للتعامل بإيجابية، ولو كتكتيك مؤقت، مع هذا الإعلان، تبدو المكاسب الفعلية في كفة الحوثي - إيران، إذ يساهم الإعلان في خلط أوراق السعوديين المرتبطة بترتيبات الرد على ما تعرضت له منشآتهم النفطية من ضربة موجعة، وبالتالي فإن قبولهم التهدئة من شأنه أن ينقل واقع ما بعد هجمات أرامكو من الحديث عن رد سعودي أو دولي تجاه إيران أو حلفائها الحوثيين، إلى الحديث عن سلام قائمٍ على شروط الأخيرين، ما يعني ضربة أخرى للسعوديين، ولكنها سياسية هذه المرة.

وفي السياق، جاء إعلان الحوثيين عن وقف استهداف السعودية، بعد ساعات فقط من قيام الأخيرة بأول تصعيد نوعي ضد الجماعة، منذ هجوم "أرامكو"، من خلال تنفيذ غارات جوية في محافظة الحديدة، أكدت مصادر محلية لـ"العربي الجديد"’ أنها ترافقت مع تحليق غير مسبوق للطائرات الحربية في سماء المدينة، وقصف أهداف في منطقة "الجبانة". وبصرف النظر عن طبيعة القصف، فإن الرسالة الأهم التي حملتها الغارات هي أن الرد السعودي قد يكون على هيئة التصعيد نحو الحديدة، والأخيرة هي الشريان الأهم لمناطق سيطرة الحوثيين وآخر منفذ خاضع لسيطرتهم إلى البحر، ومن المؤكد أن الجماعة، تضع في حساباتها أي تصعيد سعودي رداً على هجمات "أرامكو"، حتى مع كون الهجوم لم ينطلق من اليمن كما يقول السعوديون، وبذلك فإن "المبادرة" المعلنة من شأنها التأثير على رغبة الرياض بالقيام بأي عمل عسكري ضد "الحوثيين"، باستغلال ما لحقها من أضرار نتيجة الهجمات الأخيرة.

من زاوية أخرى، ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الحوثيون وقفاً أحادي الجانب للهجمات باتجاه السعودية، أو عرضوا ذلك مقابل المطالبة بوقف الضربات الجوية للأخيرة، إلا أن المعادلة التي يعرضها الحوثيون للسلام مع السعودية، وهي ذاتها ما تضمنه إعلان رئيس "المجلس السياسي الأعلى" مهدي المشاط، الجمعة الماضي، تحاول تأكيد رؤية الجماعة للحرب بوصفها "عدواناً على اليمن"، أو حرباً "يمنية - سعودية"، على الضد مما تقوله الرياض، من أن تدخلها جاء لدعم "الحكومة الشرعية"، في مواجهة الجماعة المسلحة التي سيطرت على العاصمة اليمنية ومدن واسعة في البلاد.

وفي السياق، سعى الحوثيون في ذات الخطاب الذي أعلنوا من خلاله وقف الهجمات مع السعودية، إلى إيصال رسائل تطمينية لليمنيين، بالدعوة إلى مصالحة لا تستثني أياً من الأطراف في البلاد، وبالحديث عن "العفو العام"، الذي سبق وأقرته الجماعة منذ أكثر من عامين، لكنه بقي حبراً على ورق.

وعلى صعيد التهدئة أو التفاهمات الثنائية السعودية الحوثية أو عدمها، سبق أن تمكنت الجماعة من فتح خطوط مباشرة مع الرياض وأبرمت معها هدنة حدودية بمفاوضات غير معلنة خلال الفترة من مارس/آذار وحتى يونيو/حزيران 2016، وهي التجربة التي أظهرت أن السعوديين لا يبدون معارضة مبدئية للتعامل مع الحوثيين، وللدخول بصفقات معهم، طالما كان ذلك، يساهم في تحقيق مصالح سعودية أو حسابات آنية تكتيكية على الأقل.

في ضوء ما سبق، يبدو الإعلان الحوثي بإيعاز من الإيرانيين عن منح "فرصة سلامٍ" للسعوديين، في ظل المأزق الذي تواجهه الأخيرة، تطوراً لافتاً مفتوحاً على أكثر على احتمال، بما في ذلك، التعامل الإيجابي التكتيكي من السعوديين، على الأقل لشراء الوقت، في حين أن الفرصة الممنوحة وفقاً للشروط الإيرانية لا تحقق أدنى الأهداف بالنسبة للسعوديين، وخصوصاً أنها في هذا التوقيت، على الأقل، تعمق الارتباط بين الحوثيين وطهران، باعتبار أن الهجوم الذي تتهم فيه الأخيرة، يمثل حجر الزاوية في أي رضوخ سعودي محتمل.