إعلانات "ماونتن فيو" أو كيف تصنع الطبقية على الهواء

إعلانات "ماونتن فيو" أو كيف تصنع الطبقية على الهواء

10 يوليو 2014
الصورة
إعلان العائلة السعيدة في "ماونتن فيو" (فايسبوك)
+ الخط -

المشهد التالي متخيّل، لكننا سنشاهده حتماً على إحدى القنوات المصرية قريباً (جداً).

المذيعة: يواصل آلاف المصريين احتجاجهم على رفع أسعار البنزين وغيرها من السلع الأساسية، في وقت حاول أحد سكان منشية ناصر إحراق نفسه احتجاجاً على غلاء الأسعار. فاصل إعلاني ونتابع نشرة الأخبار.

إعلان تجاري: "ارجع لطبيعتك وتعال، عِش في chill out بارك ماونتن فيو في 6 أكتوبر، وروح على أول spa عالمي من تايلاند وجرّب الـ jacuzi jungle، وبعدها ماساج يروّق أعصابك. كل ده وأكتر في أول بارك مخصّص للراحة...".

المذيعة: أكد رئيس الحكومة الدكتور، إبراهيم محلب، أن 22 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر...

المشهد أعلاه يحصل في بلد واحد، في مدينة واحدة. في القاهرة التي تجمع كل التناقضات الطبقية والثقافية والاجتماعية والدينية. القاهرة حيث تجاور العشوائيات المباني الفخمة والأبراج التي ارتفعت فجأة لتغيّر وجه المدينة الجميل. وعلى أطراف المدينة نبتت مدينة أخرى اصطناعية، تحتضن المجمّعات السكنية التي يقصدها الأغنياء، وإلى جانبهم أبناء الطبقة الوسطى. ومن بين هذه المجمّعات ظهر علينا "ماونتن فيو".

لا نعرف شيئاً عن المشروع سوى الإعلانات التي تحاصر المشاهد المصري منذ فترة، والتي اشتدّت وطأتها مع انطلاق شهر رمضان. لكن ما نعرفه عن الإعلان يبدو كافياً: التنفيذ الفني السمج والمزعج، مع عودة البطل الخارق الأخضر هالك hulk، وهو نجم الكوميكس الشهر. هكذا، يتحوّل المصري إلى هالك، يصرخ، ويضرب، ويكسر، بسبب ضغط الحياة اليومية، من زحمة السير، ومن التلوّث ومن إيقاع الحياة العصبي في القاهرة. صراخ كثير، أصوات عالية، وتلوّث سمعي حقيقي، كل ذلك يختفي فجأة وتطلّ علينا مدينة خضراء، أشجار، مسابح، أولاد سعداء يلعبون على دراجاتهم الهوائية بأمان من دون الخوف من سيارات مفاجئة تصدمهم. أهلاً بكم في "ماونتن فيو". كل شيء هنا يوحي بالسعادة، بالراحة: الشاب الذي يتلقّى تدليكاً محترفاً، يبتسم.. الأصدقاء الذين يسبحون والأشجار تظللهم، يبدون سعداء، والسيدة التي "تستمتع بتمرين الأولاد جنب البيت" تبتسم ابتسامة مستفزّة، وكذلك صديقتها التي تمارس اليوغا على العشب مع سكان كوكب "ماونتن فيو". ببساطة العائلة السعيدة تسكن "ماونتن فيو"... وتترك كل الـ"هالكات" الأخريات ينازعن في شوارع القاهرة الأخرى.

قاهرتان إذاً: واحدة يسكنها هؤلاء الأشخاص الذين لا يتحملون بعضهم بعضاً، الجيران المزعجون، السيّدة التي "تردح" في الشارع، ومعهم مجموعة من البلطجية.. وفي الجانب الآخر قاهرة أخرى للأشخاص الذين قرروا "العودة إلى طبيعتهم" كما يقول الإعلان. سكان الكوكب السعيد، هم صنف آخر، هم صنف راقٍ والآخرون مجرّد "رعاع" يحاولون التعايش في تلك البقعة الجغرافية المسمّاة القاهرة. "نِفسِك تجري بِحُرِّيَّة؟" يسأل الإعلان في أحد فيديوهاته، في إشارة إلى التحرّش الجنسي الذي تتعرّض له النساء في مصر. حتّى أكثر المواضيع حساسية، تستخدم للترويج الرخيص: فَلْتَمُتْ المصريات العاديات، الفقيرات، من نظرات وألفاظ ولمسات المتحرّشين... لا يهمّ.

لكن إلى من يتوجّه هذا الإعلان؟ طبعاً ليس إلى المصريين العاديين، ليس إلى الشاب الذي يستقل المواصلات يومياً، ولا إلى الشابة التي تمشي يومياً في الشوارع متوجهة إلى عملها.. يتوجّه أصلاً إلى هؤلاء الذين هجروا قبل سنوات المدينة وسكنوا ضواحيها الفخمة... الضواحي التي نشاهدها في مسلسلات غادة عبد الرازق (مثلاً).

كل هذا التحقير، يحصل في سلسلة إعلانات واحدة... يليها مباشرة وعلى الشاشة نفسها إعلان "بنك الطعام"... صدق سيد درويش يوم غنّى "يا مصر يا أم العجايب".

دلالات

المساهمون