إعلام تونس في انتخاباتها... من صراع الهوية إلى المصالح

13 أكتوبر 2019
الصورة
اتسمت الحملة الانتخابية بالتشويق إلى يومها الأخير (ياسين قايدي/الأناضول)
+ الخط -
شهد الإعلام التونسي تقلبات عدة منذ "ثورة الياسمين" عام 2011، انعكست في مواكبته للانتخابات الرئاسية والتشريعية. وفي حين رفعت المؤسسات الإعلامية شعار "صراع الهوية" في تغطية انتخابات عام 2014، يبرز "صراع المصالح" في منافسة عام 2019.
يُدعى أكثر من سبعة ملايين ناخب تونسي، اليوم الأحد، لانتخاب رئيس جديد للبلاد، هو الثاني منذ ثورة 2011، في أعقاب حملة انتخابية اتسمت بالتشويق إلى آخر يوم فيها، بين المرشحين نبيل القروي المتهم بغسل أموال وتهرب ضريبي، وأستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد الشخصية الذي لا يملك تجربة سياسية سابقة.
ويعيش الإعلام التونسي منذ الثورة التونسية حالة من الحرية لم يعرفها من قبل، ظهرت واضحة في الانفتاح الذي عرفه المشهد الإعلامي، وخاصة السمعي البصري، بتعدد القنوات التلفزيونية (15 قناة) والمحطات الإذاعية (45 محطة)، بعد أن كانت قبل الثورة حكراً على عائلة الرئيس المخلوع، زين العابدين بن علي، والأوساط المقربة منه.
عام 2014 اصطفت جلّ وسائل الإعلام التونسية، ما عدا القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية الرسمية، وراء الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي وحزبه "نداء تونس"، تحت شعار "صراع الهوية"، لإنقاذ تونس من خطر الإسلام السياسي ممثلاً في حزب "حركة النهضة" ومن يدور في فلكها من شخصيات وأحزاب. وهكذا، عملت قنوات مثل "الحوار التونسي" و"نسمة تي في" ليل نهار من أجل انتصار الباجي قايد السبسي وحزبه، في حين دافعت قناة "الزيتونة" و"أم تونيزيا" عن أطروحات التيار السياسي الإسلامي ضد من وصفتهم حينها بـ "التغريبيين" و"المعادين للثورة".
أما في انتخابات عام 2019 فالثابت الوحيد فيها هو مواصلة الإعلام الرسمي على حياديته بين المتنافسين، بينما انخرطت قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية في لعبة تلاقي المصالح بين هذه القناة وتلك وبين أحد المترشحين؛ فالمترشح للدور الثاني، نبيل القروي، وجد بعض القنوات التلفزيونية فضاء مفتوحاً أمامه، مثل قناة "نسمة تي في" التي يعتبر واحداً من أبرز الفاعلين فيها، وقناة "الحوار التونسي" التي اختارت الاصطفاف في المعسكر المعادي لرئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، وحلفائه من "النهضة" وغيرها من الأحزاب. إذ كانت "الحوار التونسي" في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الداعم الأبرز للمترشح المنهزم وزير الدفاع في الحكومة الحالية عبد الكريم الزبيدي، ليتحول مسارها وتصبح الداعم الأبرز للمترشح للدور الثاني نبيل القروي.
أما المرشح قيس سعيّد فلقي دعماً، ولو متواضعاً، في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية من قبل قناة "التاسعة" الخاصة التي دعمت في الدور الأول المرشح المنهزم ورئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد. الحال نفسه ينطبق على قناة "الزيتونة" التي دعمت في الدور الأول المرشح المنهزم عن "حركة النهضة" عبد الفتاح مورو، لتتحول في الدور الثاني إلى داعم للمرشح قيس سعيد.
لعبة تبادل المواقع والكراسي في القنوات التلفزيونية تعود أساساً، وفقاً للمختصين، إلى بحث كل طرف عن التسويق لمن يراه الأجدر بقيادة تونس في السنوات الخمس ومن تتلاقى مصالحه معه. هذه المصالح قد تكون سياسية أو مالية أو لها بعد تكتيكي، لضمان حضور أكبر في مدار السلطة خلال السنوات المقبلة. 
ويبقى الجامع بين وسائل الإعلام التونسية كلها استنفارها لمواكبة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل غير مسبوق، إذ جندت كل وسيلة إعلام العاملين فيها للمتابعة الآنية للحدث الانتخابي، من خلال 4122 صحافياً محلياً يواكبون العملية الانتخابية و192 صحافياً من وسائل إعلام أجنبية وعربية. هذه الفترة الانتخابية تعتبر فترة ذهبية لوسائل الإعلام التونسية وخاصة الرسمية منها التي لم تشهد نسب متابعة عالية كما يحصل حالياً، وخاصة خلال بثّ المناظرات التلفزيونية بين المرشحين. 
وفي هذا السياق، شهدت ليلة الجمعة مناظرة غير مسبوقة بين سعيّد والقروي ختمت الحملة الانتخابية في تونس. المناظرة كانت ناجحة إعلامياً، إذ تابعها أكثر من خمسة ملايين مشاهد، وأنعشت القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية التي نقلتها بموجة غير متوقعة من الإعلانات التجارية، وأعادت الفخر إلى التونسيين بالحدث الذي يعيشونه، وهو ما بدا جلياً في التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي حيث أجمع أغلب المواطنين على أن بلادهم تخطو خطوة جديدة راسخة في مسار الديمقراطية والسلم الأهلي.
نقيب التونسيين ناجي البغوري كتب "أفضل ما في المناظرة المصافحة الحارة بين المتنافسين في النهاية# تونس_تتغير"، وشاركه الرأي الإعلامي غفران الحسايني الذي علق "تونس أقلعت... ولن تعود إلى الوراء. ارتفع سقف سمائنا وحلقت عيوننا عالياً... وسنصنع جناحين".
المدونة المعروفة، لينا بن مهني، شاركتهما الشعور نفسه: "ما كنّا لنعيش لحظات تاريخية كهذه لولا الثورة، شكرا للشهداء، شكرا للجرحى وشكرا لكلّ من يؤمن بالثورة "، وأضافت "مهما كانت النتيجة ومهما كان قرار الشعب نحن نكتب التاريخ، ونتقدّم على طريق الديمقراطية ولو بخطى متعثرة. لقد تخلصنا من قداسة الرئيس والرؤساء وعقلية الراعي والرعية، وها أنّ المترشّحين للرئاسة يسألون أمام الشعب من قبل صحافيين. تخلّصنا من عقلية الزعيم والمعلّم، نعم المعلّم الذي كان الجميع يهابونه Big Brother (الأخ الأكبر) الذي جعل للحيطان آذانا. اليوم المترشحان للرئاسة كانا يفسران للشعب وجهتي نظريهما وقبلا بالرجوع للقناة من أجل تقييم أدائهما إذا ما ربحا الانتخابات. نعم الأمور تغيّرت وستتغيّر حتى وإن كنا سنعيش فترات صعبة أخرى. اليوم الشعب هو من يقرّر مصيره".
الباحث والإعلامي علي السياري رأى في المناظرة التلفزيونية حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، رغم اعتقاده أن تأثيرها سيكون محدوداً على اختيارات الناخبين. وقد كتب "المناظرة لن تضيف الشيء الكثير رغم أهميتها. أغلب الناخبين حسموا أمرهم عاطفياً ولهم مرشحهم المحدد وغير مستعدين لتغيير قناعاتهم، من الصعب أن تقنع شعوباً عاطفية بتغيير رأيها في اللحظات الأخيرة، ولكن الأهم أننا نسير على الدرب ولا خوف على تونس".
فخر لم يخف خيبة البعض من المترشحين للدور الثاني للانتخابات الرئاسية، إذ بدا نبيل القروي مضطرباً لا يحسن الكلام باللغة العربية رغم ما قدمه من برنامج للفترة المقبلة، على عكس منافسه قيس سعيد الذي بدا واثقاً من نفسه فصيحاً في اللغة العربية، وهو ما علق عليه الإعلامي والشاعر عز الدين بن محمود بالقول "أفكار بلا لغة... ولغة بلا أفكار. ما الحل؟". وعبّر الجامعي خالد الوغلاني عن خيبته: "مستوى المتناظرين كارثي، الآن يمكن أن أقول للجميع وبأعلى صوتي سأنتخب الورقة البيضاء لأقول تونس لا تستحق هذه المهزلة "، وشاركه الرأي المترشح المنهزم في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية ورئيس حركة "تونس إلى الأمام"، عبيد البريكي الذي كتب "بعد متابعة المناظرة أدعو الرفاق في حركة تونس إلى الأمام إلى ممارسة حقهم الانتخابي وإلى الشطب على المرشحين معاً". رغم كل ذلك تصر الإعلامية رشا التونسي "مهما كانت الأحكام على المناظرة. لنا الفخر أنه كانت هناك مناظرة".



المساهمون