إعادة تشكيل هيئات إعلام السيسي... القرار لأجهزة المخابرات

26 يونيو 2020
الصورة
خسائر كبيرة للصحف القومية (الأناضول)
يبدو أن مجموعة القرارات الجمهورية التي أصدرها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أول من أمس الأربعاء، بشأن الهيئات والمجالس الخاصة بالإعلام، كانت الحلقة الأخيرة في صراع كان أبطاله الظاهرون رجال الإعلام الحكومي، بينما يقبع ضباط الأجهزة الأمنية المختلفة وراء الكواليس.
أطاحت القرارات التي وقّعها السيسي بأحد الرموز والشخصيات التي اجتهدت طوال سنوات لتقديم فروض الولاء والطاعة للنظام بكل ما أوتيت من قوة، وهو الرئيس السابق للمجلس الأعلى للإعلام، مكرم محمد أحمد، ليحل محله أحد رجال النظام المخلصين، وهو الرئيس السابق للهيئة الوطنية للصحافة، كرم جبر.
ورغم انتهاء مدة العمل القانونية لكلا الهيئتين إضافة إلى الهيئة الوطنية للإعلام منذ أكثر من عام وتحديداً في عام 2018، إلا أن تلك الهيئات ظلت تمارس عملها في انتظار قرار جمهوري بإعادة تشكيلها، وهو القرار الذي صدر فقط الأربعاء الماضي.

ماذا عجّل بالقرار؟
أشارت مصادر في الهيئة الوطنية للإعلام إلى أن الصدام الذي وقع بين رئيس الهيئة السابق مكرم محمد أحمد من جهة وبين وزير الدولة لشؤون الإعلام من جهة أخرى كان عاملاً من عوامل الإطاحة بمكرم، الذي قال في أول تصريح صحافي عقب عودة وزارة الإعلام، إن "وزير الإعلام الذي عُين اليوم هو وزير بلا وزارة، وإن القرار لم يوضح اختصاصات هيكل، لكن الدستور أكد وضع المجلس الأعلى والهيئتين".
وخرج مكرم في لقاء تلفزيوني، مع الإعلامي المصري الموالي للنظام أحمد موسى، قائلاً إن حرية الرأي في مصر منقوصة، ويوجد تكميم للأفواه وتخويف واضح ضد التعبير عن الرأي. حينها، عزا بعض الإعلاميين والصحافيين هذا التحول الدرامي في تصريحات مكرم محمد أحمد، إلى الصراع الدائر بين مؤسسات الدولة المسؤولة عن الإعلام، منذ استعادة وزارة الإعلام مجددًا في آخر تعديل وزاري في مصر في ديسمبر/كانون الأول 2019، بعد سنوات من إلغائها. لكنها عادت "وزارة الدولة للإعلام" لا وزارة الإعلام، وهو فارق جوهري كبير، إذ إن وزير الدولة بلا صلاحيات واختصاصات وأشبه بموظف تابع لمجلس الوزراء.
وتقدم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بشكوى ضد أسامة هيكل، الاثنين الماضي، إلى رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، قال فيها إن عناصر أمن الوزارة اقتحموا مكاتب المجلس للحصول على وثائق هامة، وهذا تصرف يسيء للدولة ويحرجها أمام الرأي العام. وقرر المجلس تجميد أعماله ووقف اجتماعاته المستقبلية إلى حين تدخّل الجهات المسؤولة، كرسالة احتجاج على ما حدث، والضغط على الحكومة لاتخاذ موقف حاسم ضد وزير الإعلام، بشكل يُظهر المجلس أمام الرأي العام أنه انتصر في معركته مع الوزير، لكن حدث العكس، الأربعاء، وجرى تغيير رئيس مجلس تنظيم الإعلام، مكرم محمد أحمد.
وقالت المصادر، التي فضلت عدم نشر أسمائها، لـ"العربي الجديد"، إنه على الرغم من أن اشتباك مكرم محمد أحمد مع وزير الإعلام أسامة هيكل عجّل بالإطاحة به، لكن قرار الاستغناء عنه متخذ منذ فترة وقبل تولي هيكل وزارة الإعلام، موضحة أن تصريحات مكرم التي انتقد فيها حال الإعلام كانت "محاولة لتجميل صورته قبل الرحيل"، لأنه كان يعلم أنه راحل.
وأضافت المصادر أنه كان هناك صراع خفي أيضاً بين مكرم محمد أحمد والرئيس السابق للهيئة الوطنية للصحافة كرم جبر، بدأ منذ تولي مكرم رئاسة المجلس الأعلى للإعلام؛ حيث حاول أن يسيطر على هيئة كرم جبر إضافة إلى الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة حسين زين واعتبارهما جناحي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لكنه توقف عن فعل ذلك مع الوقت، ومع صعود كرم جبر التدريجي داخل الأجهزة الأمنية.
لماذا كرم جبر؟
شهدت الفترة التي تولى فيها كرم جبر رئاسة الهيئة الوطنية للصحافة، وهي المنوط بها إدارة المؤسسات الصحافية القومية، حالة من الفشل التام على كل المستويات، وذلك بشهادة الكثير من العاملين في المجال. إذ تراجعت أعداد توزيع تلك الصحف إلى مستويات غير مسبوقة، كما حققت خسائر بعد أن كان بعضها يحقق أرباحاً، وعلى رأسها مؤسسة "الأهرام" التي توقفت عن دفع أجزاء من مستحقات العاملين فيها لفترة تزيد عن 3 أشهر. فلماذا يتم تصعيده لرئاسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام؟ "العربي الجديد" علمت من مصادر متعددة (سياسية وصحافية) أن تصعيد كرم جبر لرئاسة المجلس بشكل خاص، وتشكيل الهيئات والمجالس الإعلامية الأخرى كان معدا مسبقاً منذ عام 2018 ولكنه كان حبيس الأدراج كل هذه الفترة. وأوضحت المصادر أن العقيد أحمد شعبان الذي كان مسؤولا عن ملف الإعلام في المخابرات العامة هو من أعد تلك القوائم قبل تنحيته عن موقعه منذ فترة.
وقالت المصادر إن رئيس مجلس إدارة "أخبار اليوم"، ياسر رزق، كان أهم المنافسين لكرم جبر على رئاسة المجلس الأعلى للإعلام، اعتماداً على علاقته الجيدة بالرئيس عبد الفتاح السيسي ومدير مكتبه اللواء محسن عبد النبي، مدير إدارة الشؤون المعنوية السابق بالقوات المسلحة، والذي عمل رزق لفترة طويلة من حياته الصحافية من خلالها كمراسل عسكري. لكن، وبحسب المصادر، فإن شعور الأجهزة الأمنية بأن رزق قريب من السيسي دفعها إلى منعه من الوصول إلى المنصب وتفضيل جبر الذي سيكون الأسهل في التعامل معه.
وفي سياق ذلك التنافس، بدأت المواقع الإلكترونية التابعة للمخابرات، ومنها موقع "الوطن"، حملة ترويج لكرم جبر وتلميعه.
وكان جبر آخر رئيس مجلس إدارة لمؤسسة "روزاليوسف" قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، لكنه تمت الإطاحة به من منصبه بعد ذلك. كما تعرّض لحملات غضب داخل المؤسسة دفعته إلى التخفي حتى أصبح منبوذا داخل الوسط الصحافي، مثل رؤساء مجالس إدارة ورؤساء تحرير آخرين من نظام مبارك، أمثال رئيس مجلس إدارة الجمهورية سمير رجب، ورئيس تحرير الأهرام أسامة سرايا. حتى إن كرم جبر اضطر إلى العمل في إحدى المؤسسات الإعلامية باسم "أونست"، والتي أدين صاحبها في قضايا نصب وصلت إلى 55 قضية، وحكم عليه بالسجن أكثر من 100 عام.
وعلمت "العربي الجديد" من مصادر داخل مؤسسة "روزاليوسف" أن ملف كرم جبر تم تحويله إلى إدارة الكسب غير المشروع في وزارة العدل بعد الثورة نتيجة فساد مالي، لكن التحقيقات توقفت.
بديل كرم جبر
من داخل مؤسسة "روزاليوسف" أيضاً، جاء عبد الصادق محمد الشوربجي رئيساً للهيئة الوطنية للصحافة خلفاً لكرم جبر، والمعروف أن الشوربجي مهندس مطابع بالأساس ولا علاقة له بالصحافة والعمل الصحافي من قريب أو من بعيد، حتى يكون على رأس الهيئة المنوط بها تطوير المؤسسات الصحافية القومية التي تعاني أصلاً من فشل إداري ومهني.
ليس الشوربجي فقط في تشكيلة الهيئة من لا علاقة له بالإعلام الحديث وتطوير عملية الصحافة وصناعة الرقمي، فهناك الكثير بلا خبرة أيضاً ولم يسمع أحد من العاملين بالمهنة عن إنجازات لهم في تطويرها، ومن بينهم المحررة العسكرية السابقة سامية زين العابدين، وزميلتها فاطمة سيد أحمد، المعروفتان في الوسط الإعلامي، بعلاقتهما القوية بالأجهزة الاستخباراتية. ويبدو من ذلك، وبحسب مصادر من داخل المؤسسات الصحافية تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن الدولة لا يشغلها إطلاقا نجاح تلك المؤسسات، بل على العكس فهي ترى أنها عبء عليها وترغب في التخلص منها وبيعها والاستفادة من الأصول التي تملكها.
وكان اللافت في القرارات هو تعيين الإعلامي نشأت الديهي ضمن تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، إضافة إلى الإعلامية عزة مصطفى. كما دخلت الإعلامية ريهام السهلي إلى تشكيل الهيئة الوطنية للإعلام، والإعلامي جمال عنايت، والمذيع عمرو عبد الحميد، والإعلامية هالة حشيش.

الإطاحة بمكرم
أعاد قرار الإطاحة بالكاتب الصحافي مكرم محمد أحمد، من رئاسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، إلى الأذهان، واقعة طرده من نقابة الصحافيين المصرية إبان ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، حينما كان نقيبًا للصحافيين. بل وفتح الباب لاسترجاع عشرات المواقف التي خذل فيها زملاءه من شيوخ المهنة والنقابيين البارزين، وشباب الصحافيين، وحتى النظام الذي عينه.
فقبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، كان مكرم نقيبًا للصحافيين، اشتهر بكتابة خطابات الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، حيث انتخب نقيباً للصحافيين عام 1989 واستمر لدورتين متتابعتين، حتى عام 1993. ثم عاد نقيبًا للصحافيين عام 2007 في فترة شهدت أحكامًا قضائية ضد صحافيين، ومحاولات لمنع التظاهر على سلم النقابة. وظل نقيباً للصحافيين، حتى طرده من مبنى النقابة إبان ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.
كما أنه بعد الثورة، اكتشفت نقابة الصحافيين أن مكرم، حجب التقارير الرقابية التي أعدها الجهاز المركزي للمحاسبات -مؤسسة حكومية رقابية- لمدة 25 عامًا عن المناقشة في الجمعيات العمومية السنوية، وتم إقرار جميع تلك التقارير، في جلسة واحدة للجمعية العمومية، بعد الإطاحة به.
ثم اختفى مكرم عن الأنظار لفترة، ليظهر مجددًا لشق وحدة الصف النقابي، أثناء انتخابات التجديد النصفي لنقابة الصحافيين 2016، حيث شكل ما يسمى بـ"جبهة تصحيح المسار" مكونة من مجموعة من الصحافيين المصريين، في أعقاب واقعة اقتحام وزارة الداخلية النقابة في الأول من مايو/أيار 2016 للقبض على الصحافيين عمرو بدر ومحمود السقا، كانت تعقد اجتماعات بمقر جريدة الأهرام القومية، لإجهاض قرارات اجتماع الجمعية العمومية التي عقدها آلاف الصحافيين في النقابة ردا على اقتحامها.
كانت "جبهة تصحيح المسار" التي تم التجهيز لها بمباركة أمنية، خطوة تسبق وضع مكرم محمد أحمد على رأس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي تولى على مدار السنوات الماضية، مهمة "تنظيم الإعلام في صف واحد موال للنظام"، حيث أعطى القانونُ المجلس صلاحيات واسعة شملت حجب المواقع أو وقف المدونات، فضلا عن وقف الصفحات الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي والتي يزيد عدد متابعيها عن 5 آلاف شخص، بتهم فضفاضة مثل نشر أو بث أخبار كاذبة، والسب والقذف أو التحريض على مخالفة القانون أو الدعوة للتعصب وامتهان العقائد.
وفتح قانون تنظيم الصحافة والإعلام الباب أمام الحبس الاحتياطي للصحافيين، وفقا للمادة 29 التي تنص على أنه لا يجوز الحبس الاحتياطي في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، فيما عدا الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، وهو ما فتح الباب لتوسيع نطاق الحبس الاحتياطي في قضايا أخرى بعيدا عن النشر.
مئات القرارات المؤيدة
خلال فترة توليه رئاسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أصدر مكرم محمد أحمد، مئات القرارات المقيدة لحرية الإعلام، كان آخرها الصادر في مارس/آذار الماضي، بشأن محاصرة الأخبار والبيانات التي يجري تداولها بشأن "كوفيد-19" وانتشاره في مصر، حيث قرر المجلس "لفت نظر" 16 موقعًا إلكترونيًّا وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب "نشرهم أخبارًا عن اكتشاف حالات إصابة بفيروس كورونا"، وتضمن بيان المجلس التوجيه بـ”منع بث أي أخبار إلا من خلال البيانات الرسمية لوزارة الصحة”. وقبلها مباشرة، قرار، منع الصحافيين من النشر تحت أسماء مستعارة إلا بعد موافقة كتابية من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

وسبق تلك القرارات أيضًا خمسة محظورات جديدة أضافها المجلس في لائحته التنفيذية، على جميع وسائل الإعلام الإخبارية، منها التصوير في الشارع والأماكن العامة، بالإضافة إلى حظر التصرف في الوسيلة بالبيع أو الاندماج أو الطرح في البورصة، وحظر البث المباشر لخارج مصر، وحظر بيع وتأجير أجهزة البث، وحظر تركيب وتشغيل أجهزة البث، دون الحصول على إذن وتصريح.
ووسط كل هذه المواقف الموالية للنظام، كان لمكرم محمد أحمد، موقف يتيم يشبه المعارضة، كان بشكل أو بآخر سببًا كافيًا للإطاحة به، وبعدها، خرج مكرم عن النص أكثر، بتصريحات صادمة في فبراير/شباط الماضي، عندما قال في لقاء تلفزيوني، مع الإعلامي المصري الموالي للنظام، أحمد موسى، "إن حرية الرأي في مصر منقوصة، وهناك تكميم للأفواه وتخويف واضح ضد التعبير عن الرأي".
وكانت تصريحات صادمة لدرجة أن مستضيفه شخصيًا كان على قدر كبير من الدهشة والاستغراب، عندما قال له مكرم: “كم مظاهرة بتنزل الشارع حاليًا؟ فين الحرية؟ لو أردنا الحديث عن صحافة حقيقية يبقى لازم حرية رأي. أنا لست مسؤولًا عن الإعلام ولا أستطيع أن أقول من المسؤول عن الإعلام في مصر، لأن وزير الإعلام سيغضب. لكن من يدير الإعلام هي السلطة التنفيذية"... وهكذا تحققت مقولة مكرم محمد أحمد، بعد الإطاحة به، بأن "من يدير الإعلام هي السلطة التنفيذية".

دلالات