إعادة الثقة مهمة الرئيس الجزائري الصعبة

15 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
لم يشكل فوز المرشح عبد المجيد تبّون، بمنصب رئيس الجمهورية الجزائرية، مفاجأة لمراقبين كثيرين، فالرجل ابن النظام بامتياز، وهذا معطى أساسي لا تُخطئه عين، فالنظام بنى المباراة الانتخابية الرئاسية برمتها على أساس عدم التفريط في لاعبيه، فالمترشحون الخمسة في انتخابات 12 ديسمبر/ كانون الأول كأنهم أصابع مختلفة، متباينة، في الطول وفي الوزن السياسيين، وحتى متشاكسة في بعض الأحيان، ولكنها أصابع يد واحدة، هي النظام. يصبح بعدها الحديث عن النزاهة والشفافية عملاً تقنياً، تضمنه وسائل وأرقام السلطة المستقلة للانتخابات التي لم يطعن أحد من المترشحين في صدقها. ولا ضير في قبول بعض المنتقدين لها، وحتى مهادنة المناوئين لها، في منطقة القبائل خصوصاً التي منع الرافضون للعملية الانتخابية فيها فتح مكاتب الاقتراع، وعمدوا إلى تكسير صناديق الانتخاب، وتمزيق الوثائق الإدارية، وصور المترشحين، وتخريب بعض المقرات والمعدات، في مظهر عنيفٍ لا يمت إلى شعارات الديموقراطية بصلة، لم ترد عليه أجهزة الأمن إلا بالحفاظ على السكينة العامة. تحتاج منطقة القبائل إلى مزيد من الحكمة، ومدّ جسور الحوار، للوصول إلى ثقة متبادلة بين الإدارة والأطراف السياسية في المنطقة، من أجل قطع الطريق أمام دعاة الفتنة والانقسام. 
انتُخب تبّون رئيساً للبلاد، في انتخاباتٍ لم تكسب الإجماع من مختلف شرائح المجتمع. وبين داعم لها ورافض، شكّلت الانتخابات خطوة غير كافية، ولا مكتملة، ولكنها ضرورية لاستقرار البلاد. 
انتصر فيها منطق الإصلاح من داخل النظام على فعل الثورة الذي يمثله الحراك، والذي يداوم على التظاهر في الشارع منذ عشرة أشهر. انحازت الملايين الأربعة من الناخبين إلى رجل معروف لديها، بدلاً من اللعب ببطاقة المجهول. انحازت إلى مشروعٍ أكثر أمناً، وأقل تكلفة من مسار التغيير الجذري. رجل في خزانته مشروعٌ لمحاربة الفساد، كان شعاره فصل المال عن السياسة، بدأه في فترة تولّيه رئاسة الحكومة عام 2017، وهو المشروع الذي سريعاً ما أودى به يومها، بعد أن تآمرت عليه عناصر ما توصف اليوم بالعصابة، بإزاحته من كرسي رئاسة الحكومة، بعد ثلاثة أشهر فقط من قيادتها، في أقصر مدة وزارية في عمر الجزائر المستقلة. صنعت الحادثة في صيف 2017 لرئيس الحكومة المُقال مجداً لم يتوقعه، وشعبياً أصبح اسمه متداولاً كرمز من رموز الإصلاح ومحاربة الفساد. يلتقي اليوم مشروعه القديم مع مشروع السلطات الفعلية التي تحكّمت في زمام الأمور منذ 22 فبراير/ شباط الماضي، والتي رمت رموزاً من النظام السابق في السجن بتهم الفساد. فهل سينجح تبّون في تحقيق ما لم يستطعه منذ عامين؟
انتقل الحكم من سلطة الرئيس المُؤقت إلى سلطة الرئيس المُنتخب، بنسبة مشاركةٍ لم تتجاوز 40%، وهي نسبة، إن حملت من دلالة، فهي أن السلطة لم تصل بعد إلى إقناع الناخبين الجزائريين بالتخلّي عن حالة العزوف التي ميزت المواعيد الانتخابية في السنوات الماضية، والتي كانت توصف دائماً بأنها حالة رفض شعبية متواصلة، لعملية سياسية لا تقنع. لم تشذ انتخابات السبت الماضي عن هذه الحالة كثيراً، وإن تميزت أرقامها بالتقدّم فواصل قليلة، فنسبة المقاطعة التي تجاوزت 60% تقول، صراحة، إن أمام الرئيس الجديد عملاً سياسياً كبيراً في إقناع الناس بصدقية الفعل السياسي، قبل إقناعهم بصدقية البرامج والإصلاحات.
جاء عبد المجيد تبّون إلى قصر المرادية على وقع حراك هادر، لم يهدأ له صوت، حتى وقد تناهى إلى مسمعه قول الرئيس الجديد بمد يد الحوار، والذي أنهى به حالة إنكار الحراك التي أصيبت بها السلطة في الأشهر الأخيرة، والتي أمعنت في استغلال سلبيات الحراك الكثيرة، وغياب أدوات التغيير لديه، على الرغم من زحمة الشعارات ومظاهر الرفض. جاءت كلمة الرئيس الجديد محاولةً لطمأنة الشارع ومد جسور الحوار المقطوعة، وإصلاح العطب والعبث اللذين أصاب الدستور، وإقرار مزيد من الحريات، وتكريس الفصل بين السلطات، بقي على الحراك من جهته تحيين مطالبه، والتأقلم مع الوضع الجديد، وتقديم مشروع سياسي قابل للتنفيذ، مع الإبقاء على الضغط بالوسائل السلمية المتاحة، حتى لا يبقى الشارع رمزاً للانفلات غير المضمون العواقب.
مشروع آخر لا يقل أهمية عن إعادة بناء الثقة بين الحراك والسلطة، فالديمقراطية الحقيقية تتطلّب وجود ممثلين حقيقيين للشعب، في المجالس المحلية والبرلمان، هي المجالس التي لفّ كثيرها 
التدليس والتزوير، فخرجت في حلةٍ كئيبة، لا تمثل أحداً إلا منتسبيها، أو المنتفعين بها والمقرّبين منهم. رياح المال الفاسد والتزوير أتت على معاقل المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) ومجلس الأمة، والمجالس المحلية في البلديات والولايات، وكانت سبباً في استشراء المحسوبية والرشوة، في دواليب الدولة العميقة، من أبسط موظف إلى أرقاه، إلا من رحم ربي، أو من انتشلته يد القدر، أو ضميره الأخلاقي من مخالب الفساد. قد يبدو الحديث عن الفساد المالي والإداري في المجتمع، من سبيل جلد الذات، ولكنه جلدٌ ضروري في طريق التطهير، ومسألة لا مناص من التطرق إليها، وعدم التهرّب منها. فالفساد أنواع، أقله تقاعس موظف عن أداء عمله، والرشى الصغيرة، إلى ما برز من أرقامٍ مهولةٍ من الدولارات والمشاريع المنهوبة في إفصاح محاكمات رموز النظام السابق.
تبدو مهمة الرئيس الجديد غير سهلةٍ البتة، فدونها معوقاتٌ جمّة، أهمها الحرص على إبقاء محيطه نظيفاً من الانتهازيين والوصوليين والمتسلقين، وإعادة الثقة بالدولة، وبناء حوار حقيقي مع الحراك، وتحريك دواليب الإصلاح، وكنس مخلفات النظام السابق، وتغيير عميق للنظام، لا مجرد مساحيق تجميل، توضع على وجهه، لتمحوها سريعاً أول قطرات الزيف والزيغ التي تكرّست سنين طويلة، في حكمٍ لا يعرف التداول إليه سبيلاً.