إطلالة على العالم من "كوّة" ساراماغو

18 يونيو 2014
الصورة
1990 في لشبونة (تصوير: جين غومي)
+ الخط -
كان جوزيه ساراماغو (1922 ـ 2010) يحلق ذقنه حين رن الهاتف. وضع السمّاعة على خدّه غير المطلي بصابون الحلاقة وتلفّظ ببضع كلمات: "حقاً؟ هذا مذهل!"، ثم "لا تزعجوا أنفسكم، سأكون عندكم في أقل من نصف ساعة".

لم يحلق ساراماغو ذقنه أبداً بالسرعة التي حلقها ذلك اليوم، قبل أن يتوجّه إلى إحدى دور النشر لاستعادة رواية كان قد كتبها بين عامَي 1940 و1950 وضاعت مخطوطتها الوحيدة منذ تلك الفترة. وبعد أقل من ساعة، عاد إلى منزله وفي يده كدسة أوراق لم تصفّر أو تتلف بفعل الزمن. وكأن الزمن كان أكثر احتراماً للمخطوطة من أولئك الذين استلموها عام 1953.

"إنه لفخر لنا أن ننشر هذه المخطوطة التي عثرنا عليها لدى انتقالنا إلى مكاتب أخرى"، قال له مدير دار النشر عام 1989، وهي نفس الدار التي أرسل ساراماغو إليها روايته عام 1953. "شكراً، لكن ليس الآن"، أجاب كاتب "الإنجيل وفقاً ليسوع المسيح"، قبل أن يغادر ومعه روايته المفقودة والجواب الذي لم يتلقّاه قبل 47 عاماً، أي حين كان في الواحدة والثلاثين من عمره. وتجدر الإشارة هنا إلى أن سلوك هذه الدار كان قد وضع ساراماغو في صمتٍ مؤلم دام عدة عقود.

الرواية المفقودة هي "الكوّة" (Claraboia)، وجميع الذين قرؤوها بعد العثور عليها حاولوا إقناع صاحبها بضرورة نشرها، لكنه كان يرفض بعناد قائلاً إن هذا الكتاب لن ينشر طالما هو على قيد الحياة، ومذكّراً بإحدى قواعد حياته التي لطالما كتبها وذكرها في مناسبات عديدة: لا أحد مُجبَر على حبّ أي شيء، لكننا جميعاً مجبرون على احترام بعضنا بعضاً. وباستحضاره هذه القاعدة، أراد ساراماغو أن يقول إن أي دار نشر ليست مجبرة على نشر المخطوطات التي تستلمها، لكن من واجبها الرد على أصحاب هذه المخطوطات الذين ينتظرون الجواب، يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، بفارغ الصبر والقلق.

الكتاب، بالنسبة إلى ساراماغو، هو أكثر من مجرّد كلمات مكتوبة. إنه يتضمن كائناً بشرياً بذكائه وحساسيّته. من هنا المذلّة التي شعر بها وهو شاب لعدم استلامه جواباً، ولو سلبياً، من دار النشر، وعاد ليشعر بها من جديد بعد استرداد مخطوطته الضائعة. ومن هنا بالتالي رفضه لنشرها قبل وفاته، وتركها على مكتبه بين آلاف الأوراق، وعدم قراءتها من جديد، علماً أنه كان يعرف أن الرواية ليست سيئة، وأن بعض عناصرها ظهرت من جديد، وبشكلٍ متواتر، في أعماله الروائية اللاحقة، وعلى رأسها صوته السردي الفريد.

"يمكن أن نروي أي شيء بطُرُقٍ مختلفة"، صرّح مرّة ساراماغو بعد أن كان قد عبر صحارى وخاض في مياهٍ عكرة. وفي حال وافقنا اليوم على هذا التصريح، علينا أن نفسّر العلامات ونفهم عناده وإصراره طوال حياته على ضرورة الاتصال الملحّة بالآخر. "أن نموت؛ يعني أننا كنّا ولم نعد"، قال في مناسبة أخرى. وصحيح أنه رحل ولم يعد بيننا، لكن بفضل "الكوّة" التي صدرت مباشرةً بعد وفاته، كما صدرت ترجمتها الفرنسية والإنجليزية منذ أشهرٍ قليلة، أصبح بإمكاننا أن نقرأ له نصاً جديداً يثير حساسيتنا وينتزع منا صراخ فرحٍ ودهشة، فندرك أنها الهِبة التي أراد أن يتركها لنا كأنما ليبقى معنا حتى بعد رحيله.

وبقدر ما نكرر أن هذه الرواية هي تحفة أدبية، بقدر ما تطرح الأسئلة نفسها علينا: كيف يمكن لشاب لم يبلغ الثلاثين بعد، أن يكتب بهذا النضج والثقة، ويكشف بهذا الشكل المبكر عن هواجسه الأدبية وخريطته الأسلوبية والعاطفية التي ستتجلى في جميع رواياته اللاحقة؟ من أين استمدّ هذه الحكمة وهذه القدرة على رسم شخصيات معقّدة بهذا القدر من الدقة والمهارة والاقتصاد السردي، وعلى إسقاط حالاتٍ بسيطة ومع ذلك عميقة وشاملة، وعلى انتهاك "قيم" مجتمعه بهذا العنف الهادئ؟

ابن لوالدين أمّيين، لم يدخل ساراماغو الجامعة، ومع ذلك تمكّن من تصوير وتفسير عالم عمارةٍ (المكان الذي تقع فيه أحداث روايته) وحياة سكّانها مستخدماً بوصلته فقط، ومستعيناً من حينٍ إلى آخر ببيسّوا وشكسبير وديدرو وبيتهوفن. إنه مدخل عالم ساراماغو، عالم استطاع تحديده منذ الضربة الأولى.

وبالفعل، تحضر في رواية "الكوّة" جميع شخصياته التي سنتعرّف إليها في رواياته اللاحقة: ريكاردو ريس، ريموندو سيلفا، دون جوزيه، الموسيقار، قايين، يسوع المسيح، سيبريانو ألغور... باختصار، رجالٌ قليلو الكلام، متوحّدون وأحرار، بحاجة إلى لقاء عاطفي كي يحطّموا لبرهةٍ طريقة حضورهم في العالم، المكثّفة والمنطوية على ذاتها.

وبدورها، تحضر نساء ساراماغو القويات في هذه الرواية. لكن حين يعيد ابتكار ذاته من خلال هذه الشخصيات النسائية، تصبح قدرته الانتهاكية أكثر بداهةً وتجرّداً. فأمثولة الكرامة نتلقّاها من امرأة ماجنة تعيش على نفقة مدير شركة، ومن خلال نساء أخريات نقارب الحب المثلي والصدق ولعنة المجتمع والقدرة على الدفاع عن الخيارات الشخصية وأشياء أخرى لا تحصى.

وهذا ما يحوّل "الكوّة" إلى روايةٍ مبنية على شخصياتها بشكلٍ رئيس، تدور أحداثها في لشبونة في أربعينات القرن الماضي، خلال حكم سالازار الدكتاتوري الذي يحضر كخلفية معتمة وصامتة.

ومع أنها ليست رواية سياسية تجعلنا نتفهّم قرار دار النشر آنذاك بعدم إصدارها، لكن بالنسبة إلى آداب وأخلاق تلك الحقبة، إنها رواية تنتهك جميع القيَم السائدة. فالعائلة فيها ليست مرادفاً للسعادة والدفء بل للجحيم، والمظاهر تتمتع بسلطة أكبر من الواقع، والطوباويات التي تحضر كأهداف حميدة لا تلبث أن تظهر بنسبيتها. أما العنف الذي تتعرّض له المرأة باستمرار، فيُصوَّر بأقبح العبارات، بينما يحضر الحب بين شخصين من جنسٍ واحد بالقلق المرافق له لكن من دون أي محاكمة أو نظرة سلبية.

لم تكن حياة ساراماغو بسيطة. فبعد الإهانة التي عانى منها بسبب عدم رد دار النشر على روايته الأولى التي كتبها خلال لياليه، بعد نهارات متعبة من العمل المضني في مِهَنٍ متواضعة، عانى من وضعه كشخصٍ مجهول لا ينتمي إلى النخبة، وهي أمور مؤثرة في مجتمع صغير مثل مجتمع لشبونة خلال الخمسينات والستينات؛ ناهيك عن سخرية أقرانه بسبب تأتأته، ما دفعه إلى الانطواء على ذاته تاركاً الفصاحة للآخرين، وربما لهذا تمكّن من كتابة هذا العدد الكبير من الكتب.

عشرون عاماً تفصل بين إرسال ساراماغو روايته الأولى إلى الناشر ومعاودته الكتابة. وفي بدايته الجديدة، أصدر مجموعتين شعريتين ("القصائد الممكنة" و"لعلّه الفرح") قبل أن يكتب نص "السنة 1993" الذي يشكّل جسراً نحو السرد. وبالتالي، "الكوّة" هي هبة يستحقّها قرّاؤه. فهي ليس باباً ينغلق، بل باباً ينفتح واسعاً كي نتمكّن من قراءة أعمال ساراماغو الروائية على ضوء ما قاله وهو شاب. إنها باب الدخول إلى عالمه المثير. كما لو أن مساره دائرة تكتمل. كما لو أن لا وجود للموت...



* زوجة جوزيه ساراماغو

(ترجمة حرّة عن الفرنسية: أنطوان جوكي)

دلالات

المساهمون